ثروات النيل الأزرق.. الوجه الآخر لفساد جنرالات الجيش وجماعة الإخوان

تقرير - عين الحقيقة

بينما تتواصل الحرب في السودان وتدفع ثمنها البنية التحتية والنسيج الاجتماعي، تحولت ولاية النيل الأزرق من ساحة قتال إلى “خزينة ظل” تمول المجهود الحربي، عبر شبكات مصالح معقدة يقودها ضباط رفيعو المستوى وقيادات إخوانية تعود إلى حقبة نظام البشير.

وبحسب شهادات ميدانية وتقارير رصدتها “عين الحقيقة”، فإن الموارد المعدنية للولاية – وعلى رأسها الذهب والكروم – باتت تدار كمنظومة اقتصادية موازية بعيداً عن رقابة الدولة، وتُسخر لتمويل العمليات العسكرية بدلاً من دعم الخدمات المتدهورة.
الكرمك: من الثغور إلى “أبيار الذهب” الخاصة
في محلية الكرمك الغنية بالمعادن والتي سيطرت عليها قوات تحالف تأسيس مؤخراً، تشير الإفادات إلى تورط مباشر لضباط في الجيش ومسؤولين في الإدارة المحلية في عمليات تنقيب واسعة النطاق عن الذهب.

ولم يعد الأمر مقتصراً على التنقيب الفردي، تقول المصادر إن بعض الضباط باتوا يمتلكون “أبياراً” خاصة، مع تسخير الإمكانيات اللوجستية للمؤسسة العسكرية من وقود ومركبات وأفراد لتأمين استخراج المعدن النفيس ونقله.

وأدى انشغال هذه القيادات بالثروة إلى ما وصفه مراقبون بـ”إهمال تام” للمهام الدفاعية والإدارية، ما جعل أمن المنطقة “رهينة لمصالح جنرالات الذهب”. كما دخل المسؤولون في شراكات تجارية “تحت الطاولة” مع تجار محليين ووافدين، في تضارب صارخ للمصالح.

باو والكروم: عودة دقيس وتمويل الحرب

لا يقتصر الفساد على الذهب. ففي قطاع المعادن الاستراتيجية يبرز اسم القيادي الإخواني عبد الغني دقيس، معتمد محلية باو. وعاد دقيس – الذي شغل مناصب قيادية في عهد المخلوع البشير – إلى منصبه عقب انقلاب 25 أكتوبر 2021.

وتؤكد مصادر مطلعة أن عودته صاحبتها إعادة إحياء نشاط شركته الخاصة المتخصصة في إنتاج الكروم، مستفيداً من نفوذه الإداري لتسهيل العمليات اللوجستية. ويتم تصدير كميات ضخمة من الكروم المستخرج من “محلية باو” بانتظام عبر ميناء بورتسودان.

لكن بدلاً من أن تذهب العوائد لخزينة الدولة، تصب مباشرة في حسابات تمويل المجهود الحربي، وفقاً للتقرير، ما يحول الموارد الطبيعية إلى “وقود لاستدامة الحرب” بدلاً من أن تكون قاطرة للتنمية.

تغير المعادلة مع سيطرة “تأسيس”

ومع بروز قوات “تحالف تأسيس” كقوة مسيطرة على أجزاء واسعة من الولاية، بدأت معادلة الموارد تتغير. أدت السيطرة الميدانية إلى قطع طرق الإمداد وتضييق الخناق على المسارات البرية التي كانت تُستخدم لنقل المعادن نحو الشمال والشرق.
كما فقدت “سلطة بورتسودان” وحلفاؤها من فلول النظام السابق جزءاً كبيراً من التمويل “غير الرسمي” الذي كانت توفره معادن النيل الأزرق، وهو ما يفسر – بحسب مراقبين – الاستماتة العسكرية لاستعادة السيطرة على تلك المناطق.

ويؤكد مراقبون أن تحويل موارد السودان إلى وقود للحرب تحت ستار المؤسسات الرسمية ليس مجرد فساد مالي، بل هو جريمة اقتصادية منظمة تُطيل أمد معاناة الملايين وتؤجل حلم الاستقرار”. وبينما تُشحن سبائك الذهب وأطنان الكروم عبر بورتسودان لتمويل صفقات السلاح، يظل المواطن في “الكرمك” و”باو” يواجه مصيره وحيداً وسط غياب تام للخدمات الأساسية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.