أزمة دواء.. ومستشفيات على حافة الانهيار.. الحرب تُفاقم أزمة الصحة في السودان
تقرير: عين الحقيقة
تتواصل معاناة القطاع الصحي في السودان مع دخول الحرب عامها الرابع، وسط تراجع حاد في الخدمات الطبية، وارتفاع غير مسبوق في أسعار الأدوية والمستلزمات العلاجية، الأمر الذي جعل الحصول على الرعاية الصحية تحدياً يومياً لملايين السودانيين. ويحذر أطباء وخبراء صحة عامة من أن استمرار العمليات العسكرية، وتضرر البنية التحتية، ونقص التمويل، كلها عوامل دفعت النظام الصحي إلى مرحلة حرجة، انعكست في إغلاق مئات المرافق الصحية، ونقص الكوادر الطبية، وتراجع فرص حصول المرضى على العلاج. ويقول مواطنون إن كثيراً من الأسر أصبحت عاجزة عن شراء الأدوية الأساسية، في وقت تضاعفت فيه تكاليف العلاج والفحوصات، بالتزامن مع الانهيار المتواصل في قيمة الجنيه السوداني وارتفاع معدلات التضخم.
خبراء وأطباء لـ”عين الحقيقة”: استمرار الصراع والشلل الاقتصادي يهددان بانهيار المنظومة الصحية وارتفاع الوفيات
ارتفاع الأسعار ونقص الإمدادات
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الطاهر، في تصريح لـ”عين الحقيقة”، أن الأزمة الصحية باتت مرتبطة بصورة مباشرة بالأوضاع الاقتصادية. وأضاف أن “ارتفاع أسعار العملات الأجنبية، وتعطل سلاسل الإمداد، وزيادة تكاليف النقل والاستيراد، انعكس بصورة مباشرة على أسعار الأدوية والمستهلكات الطبية، وأصبح المواطن هو من يتحمل الكلفة النهائية”. وأشار إلى أن استمرار الحرب أدى إلى تقلص النشاط الاقتصادي، وانخفاض الإيرادات العامة، ما حدّ من قدرة الدولة على دعم القطاع الصحي أو توفير الأدوية المنقذة للحياة.
مستشفيات تعمل بأقل من طاقتها
من جانبه، قال استشاري الطب الباطني الدكتور أحمد عبد الرحمن، لـ”عين الحقيقة”، إن عدداً كبيراً من المستشفيات والمراكز الصحية يعمل في ظروف بالغة الصعوبة. وأوضح أن “العديد من المؤسسات الصحية تعاني نقصاً في الأدوية، والمحاليل الوريدية، وأجهزة التشخيص، فضلاً عن الانقطاعات المتكررة للكهرباء وشح الوقود اللازم لتشغيل المولدات”. وأضاف أن بعض المرضى يضطرون إلى شراء معظم احتياجاتهم الطبية من خارج المستشفى، وهو ما يزيد الأعباء المالية على الأسر.
الأمراض والأوبئة
وأكد اختصاصي الصحة العامة الدكتور محمد بابكر، في حديث لـ”عين الحقيقة”، أن تراجع خدمات المياه والإصحاح البيئي، إلى جانب ضعف حملات التطعيم، يزيد من احتمالات انتشار الأمراض المعدية. وقال إن “الأوضاع الإنسانية الحالية تهيئ بيئة خصبة لتفشي الأوبئة، خاصة في مناطق النزوح المكتظة، حيث يواجه السكان صعوبات في الحصول على المياه النظيفة والرعاية الصحية الأساسية”. وأضاف أن الأطفال والحوامل وكبار السن يمثلون الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات الصحية في ظل استمرار الأزمة.
الحرب وتعقيد الأزمة الإنسانية
ويرى الباحث في السياسات الصحية الدكتور خالد حسن أن الحرب لم تؤثر فقط على المستشفيات، بل امتدت إلى منظومة الرعاية الصحية بأكملها. وأوضح لـ”عين الحقيقة” أن “تعطل برامج الوقاية، وهجرة الكوادر الطبية، وتراجع التمويل، عوامل تهدد بإضعاف قدرة النظام الصحي حتى بعد توقف الحرب، ما لم تبدأ عملية إعادة تأهيل شاملة”. وأشار إلى أن إعادة بناء القطاع الصحي ستتطلب استثمارات كبيرة، ودعماً دولياً، وخططاً طويلة الأمد لإعادة تشغيل المؤسسات الصحية وتأهيل الكوادر.
الحاجة إلى استجابة عاجلة
ويؤكد خبراء أن معالجة الأزمة الصحية لا يمكن فصلها عن معالجة الأزمة السياسية والأمنية، مشيرين إلى أن استمرار الحرب يضاعف معاناة المرضى ويحد من قدرة المؤسسات الصحية على أداء دورها. كما دعوا إلى ضمان وصول المساعدات الطبية دون عوائق، وتأمين المستشفيات والعاملين في المجال الصحي، وتوفير الدعم اللازم لإعادة تشغيل المرافق المتضررة، باعتبار ذلك خطوة أساسية للحد من تفاقم الأزمة الإنسانية.
ويرى مراقبون أن إنقاذ النظام الصحي في السودان لم يعد قضية خدمية فحسب، بل أصبح ضرورة إنسانية ملحة، في ظل تزايد أعداد المحتاجين للرعاية الصحية، واستمرار الضغوط الاقتصادية التي جعلت العلاج بعيد المنال بالنسبة إلى أعداد متزايدة من المواطنين.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.