ثم ماذا بعد فشل خطة كرتي والبرهان في تسويق حوارهم.. هل ينجح العنف في امتصاص الضغوط الدولية؟

أواب عزام البوشي

في مشهد سياسي سوداني يموج بالانهيارات، يلوح سؤال مصيري: بعد أن اصطدمت مبادرة الحوار التي صممها علي كرتي وروّج لها الفريق البرهان بجدار رفض إقليمي ودولي، هل سيكون التصعيد العسكري والعنف المدمر ورقة رابحة لامتصاص الضغوط، أم أنه مجرد شهادة وفاة جديدة لمشروعهم المتهافت؟
أولاً: فشل الحوار المُصمَّم ورفض أفريقي-دولي صريح
لم يلقَ مقترح البرهان، الذي أُخرج بدقة من ورشة كرتي، أي ترحيب في الأوساط الإقليمية. فخلال الزيارة الأخيرة لوفد مجلس السلم والأمن الأفريقي إلى بورتسودان، كان الموقف حاسماً؛ إذ رفض الوفد النقاش الموسع واكتفى بالاستماع، مجرّداً المبادرة من أي غطاء، ومؤكداً أنها مجرد مناورة لتثبيت الأمر الواقع. ولم تقف المواقف الأفريقية عند هذا الحد، بل جاء الموقف الغربي أكثر حزماً، حين صرّحت وزارة الخارجية الأمريكية بأن أي حوار مرحب به، لكن بشرط غير قابل للتفاوض: قيادة مدنية، وليس تحت وصاية السلاح. وأكد المجتمع الدولي أن شرطه الثابت هو إبعاد العسكر والإسلاميين عن الحكم، وهو ما يدركه البرهان وقواعده تماماً، لكنهم يواصلون المراوغة والمماطلة، كأنهم يظنون أن الزمن يعمل لصالحهم.
ثانياً: المماطلة ومحاولة استنساخ سيناريو مصر (وفروقاته القاتلة)
يحاول البرهان والإسلاميون رسم سيناريو قريب لما حدث في مصر، بفرض حوار أمر واقع تُفرض نتائجه تحت ضغط الميدان. لكن المحاولة تصطدم باختلافات جوهرية: مصر كانت دولة بمؤسسة عسكرية متماسكة، أما السودان فهو دولة تتهاوى تحت وطأة حرب أهلية طاحنة تفتت الجيش وتُفقد الدولة وجودها. العالم يرى هذا الفرق بوضوح، ويعلم أن استنساخ “سيناريو القاهرة” في الخرطوم مجرد مغامرة سياسية لن تنطلي على أحد.
ثالثاً: مشروع التفكيك الداخلي.. ليس بحثاً عن سلام بل عن بقاء
لكن الأكثر خطورة مما يخطط له البرهان ليس مجرد حوارٍ صوري، بل ما يعد له خلف الكواليس، وهو ليس سياسياً بقدر ما هو إعادة ترتيب للمشهد بهدف تفكيك الخصوم وضمان بقاء السلطة. فبرهان، المتحالف مع الحركة الإسلامية، يعمل على خطة ممنهجة تقوم على استقطاب بعض القوى السياسية المنضوية تحت تحالف “صمود”، عبر إغراءات بالمناصب والوزارات، بهدف شق الصف المدني وإضعافه من الداخل. وفي الوقت ذاته، تُبذل محاولات مماثلة لاختراق الحركات المسلحة وتفكيكها، حتى يصبح أي مشروع وطني جامع فاقداً لوحدته وقوته. هذه ليست عملية بحث عن توافق أو حل للأزمة، بل سياسة قائمة على التفكيك وإعادة إنتاج ذات التحالفات الفاسدة التي أوصلت السودان إلى هذا الهاوية. من يظن أن توزيع المناصب هو طريق لإنهاء الحرب، يتجاهل أن الأزمة في السودان هي أزمة مشروع وسلطة، وليست أزمة مقاعد وزارية.
رابعاً: الاختبار الأخلاقي للقوى السياسية ومصير المتساقطين
اليوم، تقف القوى السياسية أمام اختبار أخلاقي وتاريخي حقيقي. أي قوة تقبل الدخول في هذه الترتيبات المشبوهة مقابل مناصب أو مكاسب سياسية، لن تكون قد أضرت بنفسها فقط، بل ستسهم في إطالة أمد الأزمة، وتُضعف أي جهود إقليمية أو دولية مستقبلية للضغط على البرهان ودفعه نحو مسار سياسي حقيقي. إن الرضوخ لهذه الإغراءات هو خيانة لتضحيات الشعب السوداني، وهو ما يمنح العسكر فرصة ثمينة لتمرير مشروعهم الفاشل.
الإجابة على السؤال المحوري: هل ينجح العنف في امتصاص الضغوط؟
الإجابة القاطعة هي: لا، بل على العكس تماماً. فالعنف المتصاعد، مقترناً بمشروع التفكيك الداخلي، لا يمتص الضغوط الدولية بل يضاعفها، ويعزز فرض عقوبات أكثر قسوة وتضييقاً على النظام العسكري. فبدلاً من تقليص مساحة العزلة، يمنح العنف والمماطلة المجتمع الدولي مبررات أقوى للتصعيد، ويدفع نحو تدخلات تهدف لتقويض شرعيته. الرهان على الرصاص وشراء الذمم لإخماد صوت العالم هو وهم سياسي كبير؛ فالعالم اليوم لم يعد ينخدع بحلول عسكرية في صراعات بهذا الحجم.
ما يراهن عليه البرهان وكرتي من مماطلة وعنف وتفكيك للذات الوطنية قد يطيل أمد المعاناة، لكنه لن يغير القاعدة الدولية الرافضة لوصاية العسكر. والتاريخ يثبت أن الأنظمة التي تعجز عن كسب الشارع، تلجأ إلى شق الصفوف وشراء الولاءات، لكنها في النهاية تُساق إلى مزيد من الهاوية، بدلاً من أن تكون مخرجاً من الأزمة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.