أمين حسن عمر.. هيبوناكس في الخرطوم حين يرتدي الشتّام عباءة المفكر

م. معاوية ماجد

في التاريخ القديم شخصيات لا تبقى في الذاكرة بسبب ما قدمته من أفكار عظيمة، وإنما بسبب الطريقة التي استخدمت بها اللغة، ومن بين هؤلاء يبرز اسم هيبوناكس، الشاعر الإغريقي الذي عاش في القرن السادس قبل الميلاد واشتهر بهجائه اللاذع وتصويره الجانب السوقي من الحياة، حتى ارتبط اسمه في الأدب القديم بالهجاء المرير والسخرية الفظة والهجوم الشخصي على خصومه، وكانت قصائده تستعين باللغة الخشنة والإيحاءات الجنسية ومفردات الحياة اليومية في مواجهة عالم الشعر الرفيع الذي كان سائداً في زمانه. وتخبرنا المصادر القديمة أن هجاءه كان شديد القسوة، وأن خصوماته مع بعض معاصريه تحولت إلى مادة شعرية، حتى أصبح اسمه نفسه لاحقاً مرادفاً لنوع من الهجاء الذي لا يكتفي بمناقشة خصمه وإنما يطارده إلى مساحاته الشخصية ويجعله موضوعاً للسخرية والإهانة.

ولست أستدعي هيبوناكس هنا لأقول إن أمين حسن عمر شاعر هجاء، ولا لأن الرجلين ينتميان إلى عالم واحد أو يحملان مشروعاً واحداً، فالفارق بينهما أكبر من أن يسمح بمثل هذه المقارنة الساذجة، وإنما لأن التاريخ القديم يمنحنا، بصورة ساخرة ومفيدة في الوقت نفسه، اسماً يمكن أن يساعدنا على فهم ظاهرة تبدو اليوم أمامنا في المجال العام السوداني؛ ظاهرة المثقف الذي يمتلك أدوات المعرفة واللغة، لكنه حين يدخل في خصومة سياسية أو فكرية يتخلى عن أدوات الحجة، ويهبط باللغة من مجال الفكرة إلى مجال الإهانة، ثم يعود بعد ذلك إلى الحديث من موقع المفكر وصاحب الرأي والنظر.

وهنا تحديداً يصبح أمين حسن عمر موضوعاً يستحق أكثر من مجرد الرد على عبارة قالها في حق محمد الفكي سليمان، لأن العبارة الأخيرة ليست حادثة منفردة يمكن إغلاقها باعتذار أو تفسير أو اعتبارها انفلاتاً عابراً في لحظة غضب، وإنما تأتي، كما أظهر عمر الدقير في مقاله الأخير، ضمن سلسلة من التعبيرات التي استخدمها أمين حسن عمر في وصف خصومه السياسيين والفكريين، وهي سلسلة تجعلنا أمام قاموس متكامل لا أمام زلة لسان. فقد شبّه محمد الفكي بالكلب الذي إذا أعطيته عظماً لا يجزي صنيعك إلا بالعواء، ووصف في مناسبة سابقة النور حمد بما يحيل إلى المومس في معرض حديثه عن الفضيلة، وأطلق على عمر الدقير وصف العفن والحنيطير، وشبّه الحزب الشيوعي بالبوم الذي لا يستطيع التغريد وسط سرب العصافير، كما تناول إحدى الإعلاميات من خلال جسدها، متحدثاً عن خصرها وصدرها، ثم لجأ في حديثه عن من سماهم «القحاتة السيداويين» إلى إيحاءات جنسية واستدعاء حكاية شعبية من زمن الخليفة عبدالله التعايشي. وهذه الأمثلة، كما أوردها الدقير، ليست شتائم متناثرة في فضاء الإنترنت، وإنما مادة متكررة في خطاب رجل ظل يقدم نفسه طوال عقود باعتباره صاحب فكر ومعرفة وتنظير.

المشكلة هنا ليست أن أمين حسن عمر يختلف مع محمد الفكي، ولا أن عمر الدقير يختلف معه، ولا أن الرجل يختلف مع الحزب الشيوعي أو قحت أو النور حمد أو غيرهم من خصومه، فهذه كلها اختلافات سياسية وفكرية مشروعة، بل إن قسوة النقد نفسها ليست مشكلة، لأن المجال العام لا يعيش بالمجاملات، والسياسة ليست مجلس عزاء يتبادل فيه الناس عبارات المواساة، وإنما المشكلة تبدأ في اللحظة التي يتوقف فيها السياسي عن تفكيك فكرة خصمه وينتقل إلى تحقير الإنسان الذي يحملها، لأنك تستطيع أن تقول إن موقفاً سياسياً خاطئ أو إن مشروعاً فكرياً فاشل أو إن حزباً ارتكب خطأً تاريخياً، لكنك حين تحول صاحب الموقف إلى كلب، أو تجعل المرأة جسداً للسخرية، أو تستدعي مفردات جنسية في مواجهة خصم سياسي، فإنك لم تعد تمارس نقداً سياسياً قاسياً، وإنما تستخدم اللغة لنزع الاعتبار الإنساني عن المختلف معك.

وهذا الفارق ليس بسيطاً كما قد يبدو، لأن اللغة السياسية ليست مجرد وعاء محايد للأفكار، وإنما هي جزء من الممارسة السياسية نفسها، والطريقة التي تصف بها خصمك تكشف في كثير من الأحيان الطريقة التي تنظر بها إليه، فإذا كان المختلف معك في الرأي لا يظهر في قاموسك بوصفه مواطناً له حق الاختلاف، وإنما بوصفه حيواناً أو عفناً أو جسداً أو عورة أو عدواً للوطن، فإن المشكلة لا تعود في مفردة بعينها، وإنما في التصور الذي يقف خلف المفردة، وهو تصور يرى الاختلاف تهديداً للذات، ويجد في تحقير المختلف وسيلة لاستعادة التفوق الذي عجزت الحجة عن إثباته.

ولعل هذا ما يجعل الحديث عن الغرور في حالة أمين حسن عمر أكثر من مجرد وصف شخصي يطلقه خصومه عليه، لأن الغرور السياسي لا يظهر فقط في نبرة الحديث أو في الثقة الزائدة بالنفس، وإنما يظهر بصورة أعمق عندما يضع السياسي نفسه في موقع لا يكتفي فيه بأن يكون صاحب رأي، وإنما يتحول إلى صاحب معيار، فيصبح هو الذي يحدد من هو الوطني ومن هو الخائن، ومن هو العاقل ومن هو الجاهل، ومن يستحق الحوار ومن يستحق السخرية، ومن يجوز له أن يتحدث باسم السودان ومن ينبغي أن يخرس أو يخرج من دائرة الوطن.

وليس هذا الانطباع وليد اللحظة الراهنة، فهناك أرشيف قديم يعود إلى سبتمبر 2007، عندما دار نقاش حول ظهور أمين حسن عمر في برنامج تلفزيوني وحول اتهامه بالغرور، ونُقلت عنه خلال ذلك الحوار عبارة قال فيها، بحسب ما ورد في أرشيف سودانيز أونلاين، إنه إذا تلقى «بونية» فلا ينبغي أن ينتظر صاحبها منه «منديل ورق»، وإنما سيعيد إليه البونية، كما نُقل عنه دفاعه عن النظام باعتباره فكرته وحزبه، وهو ما يكشف، على الأقل، أن صورة الرجل الذي يرى الخصومة باعتبارها مواجهة تستدعي الرد بالمثل ليست اختراعاً حديثاً فرضته وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما لها جذور أقدم في حضوره السياسي والإعلامي. والمهم هنا ليس أن نجعل أرشيفاً صحفياً قديماً حكماً نهائياً على شخصية الرجل، وإنما أن نضعه بجوار ما نراه اليوم، لنكتشف أن هناك خيطاً ممتداً في طريقة التعامل مع الخصومة.

واللافت أن عبارة «البونية» القديمة تبدو اليوم، بعد ما يقرب من عقدين، كأنها كانت إعلاناً مبكراً عن فلسفة خاصة في إدارة الخلاف، فلسفة لا ترى بالضرورة في الرد على الخصم مناسبة لإعادة بناء الحجة، وإنما ترى فيه معركة ينبغي أن ترد فيها الضربة بضربة، فإذا كانت المساحة السياسية قد تغيرت، وإذا كانت السلطة التي كان الرجل يدافع عنها قد سقطت، وإذا كان السودان نفسه قد مر منذ ذلك الوقت بثورة ثم حرب وانهيار واسع، فإن شيئاً من تلك الروح يبدو أنه ظل حياً في اللغة، وكأن السلطة يمكن أن تسقط من يد صاحبها بينما تبقى في لسانه.

وهنا يصبح السؤال أعمق من سؤال الشتيمة نفسها، لأننا أمام رجل قضى جزءاً كبيراً من حياته داخل منظومة سياسية حكمت السودان ثلاثة عقود، وكان واحداً من أبرز المدافعين عنها والمتحدثين باسمها، ثم انتهت تلك التجربة إلى واحدة من أعقد الكوارث السياسية في تاريخ السودان الحديث، ومع ذلك لا يبدو أن هذا الإرث الثقيل قد أنتج دائماً لدى بعض رموزها مقداراً موازياً من التواضع أمام التاريخ، بل إن المفارقة أن بعضهم ما زال يتحدث إلى السودانيين من موقع الأستاذ الذي يمنح الآخرين شهادات الوطنية والعقل والفضيلة، كما لو أن البلاد التي خرجت من ثلاثين عاماً من الإنقاذ مطالبة اليوم بأن تقدم كشف حسابها لأولئك الذين كانوا في مواقع القرار، لا أن تسألهم هم عن حصيلة تجربتهم.

ثلاثون عاماً من الحكم ليست فترة تسمح لصاحبها بالاختباء خلف فكرة أن التاريخ لم يمنحه الوقت الكافي، وهي ليست بضعة أشهر يمكن فيها تعليق الأخطاء على سوء التقدير أو نقص الخبرة، وإنما هي مدة طويلة تكفي لبناء دولة كاملة، كما تكفي أيضاً للحكم على طبيعة النظام الذي أقيم، وعلى الطريقة التي تعامل بها مع المجتمع، وعلى أثر سياساته في الاقتصاد والحرب والسلام والعلاقات الدولية ومؤسسات الدولة، ولذلك فإن من شارك في تلك التجربة، أو دافع عنها، أو تولى مواقع مؤثرة فيها، يفترض أن يكون أكثر الناس استعداداً لمراجعة الذات، لا أكثرهم استعجالاً في توزيع صكوك البراءة على نفسه وصكوك الإدانة على الآخرين.

والأكثر إثارة أن هذا الخطاب لا يتوقف عند حدود الشتيمة الشخصية، وإنما يمتد أحياناً إلى الموقف من الخصوم السياسيين في قضايا الحرب والسلام والوطنية، فقد ظهر أمين حسن عمر في مواقف حديثة مدافعاً عن الحركة الإسلامية ونافياً عنها مسؤولية إشعال الحرب، وهو موقف سياسي يمكن مناقشته والاختلاف معه بالكامل، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف في الرأي حول الحرب إلى تقسيم للمجتمع بين وطنيين وغير وطنيين، أو بين من يحق لهم أن يتحدثوا باسم الوطن ومن يخرجون منه رمزياً بسبب مواقفهم السياسية. وهنا تصبح اللغة أخطر من مجرد كلمة نابية، لأن إخراج الخصم من دائرة الوطنية ليس شتيمة عابرة، وإنما ممارسة سياسية لها تاريخ طويل في السودان، وقد كانت من أهم الأدوات التي استخدمتها الأنظمة السلطوية لتصوير المعارضة باعتبارها خروجاً على الوطن لا اختلافاً داخله.

وهذا يقودنا إلى الإنقاذ نفسها، لأن أمين حسن عمر ليس ظاهرة لغوية منفصلة عن البيئة التي خرج منها، حتى لو كان من الظلم اختزال الحركة الإسلامية كلها في شخص واحد أو اختزال تجربة الإنقاذ كلها في قاموس رجل واحد، فالمقصود هنا أن اللغة تكشف أحياناً البنية الذهنية التي تقف خلفها، وعندما يتكرر في خطاب أحد رموز النظام السابق ذلك التقسيم القديم بين نحن والآخر، وبين أصحاب المشروع وأعدائه، وبين الوطنيين ومن ينبغي التشكيك في وطنيتهم، فإننا نكون أمام أثر من آثار ثقافة سياسية أوسع من الشخص نفسه، وهي الثقافة التي جعلت الاختلاف السياسي في كثير من الأحيان يبدو كأنه خروج على الجماعة، وجعلت الدولة مجالاً لتمكين المشروع السياسي لا فضاءً مشتركاً لكل المواطنين.

ولذلك فإن لسان أمين حسن عمر، في هذه القراءة، لا يمثل لسان رجل واحد فقط، وإنما يمثل شيئاً من لسان السلطة التي عاش فيها الرجل طويلاً، وهي سلطة لم تكن ترى دائماً في الخصم السياسي مواطناً مختلفاً يمكن أن يعود غداً شريكاً في الوطن، وإنما كانت تميل إلى بناء الحدود بين من ينتمون إلى المشروع ومن يقفون خارجه، وبين من يملكون حق تعريف الوطن ومن يصبحون موضع اتهام إذا اختلفوا مع السلطة أو مع مشروعها.

ومن هنا تصبح المقارنة مع هيبوناكس أكثر دلالة، لأن الهجاء عند الشاعر الإغريقي القديم كان، رغم فجاجته، نوعاً أدبياً له سياقه ووظيفته وتقاليده، وكان جزءاً من عالم أدبي معروف، وقد استخدم هيبوناكس اللغة اليومية الخشنة والصور الجسدية والعبارات الفظة في بناء هجائه، حتى أصبح واحداً من الأسماء التي ارتبطت تاريخياً بالهجاء الشخصي المرير. أما في المجال السياسي الحديث، فإن المشكلة ليست في أن يمتلك السياسي لساناً ساخراً أو أن يكتب هجاءً، وإنما في أن يستخدم لغة الإهانة الشخصية وهو يطلب في الوقت نفسه أن يُقرأ باعتباره مفكراً ومحللاً وصاحب مشروع، لأن المفكر لا يُقاس فقط بما يعرفه، وإنما بما تفعله المعرفة في سلوكه، والثقافة ليست مخزوناً من المصطلحات والمراجع بقدر ما هي طريقة في النظر إلى الإنسان المختلف.

ولعل هذه هي النقطة التي تجعل قضية أمين حسن عمر أكبر من شخصه، لأن التعليم لا يضمن الأخلاق، والشهادة لا تمنح صاحبها تلقائياً رقي اللغة، والقراءة الكثيرة لا تمنع الإنسان من أن يكون متعصباً أو متعالياً، بل إن المفارقة القاسية أن الإنسان قد يزداد معرفة من دون أن يزداد تواضعاً، وقد يراكم الكتب من دون أن يتعلم أبسط درس يمكن أن تمنحه إياه المعرفة الحقيقية، وهو أن الإنسان كلما اتسعت رؤيته للعالم ازداد إدراكاً لحدود ما يعرف، ولتعقيد البشر، ولحق الآخرين في أن يروا العالم من زاوية مختلفة.

ومن هنا أيضاً يمكن فهم الغرور باعتباره أكثر من مجرد عيب شخصي، لأن الغرور يصبح قضية سياسية عندما يتحول إلى طريقة في التعامل مع الآخرين، وعندما يعتقد السياسي أن تفوقه الفكري المفترض يمنحه حق إهانة من يختلف معه، فإننا لا نكون أمام ثقة بالنفس وإنما أمام محاولة مستمرة لإنتاج التفوق من خلال تصغير الآخر، وكأن المرآة التي يرى فيها المغرور نفسه تحتاج دائماً إلى أن يكون الآخرون أصغر حتى تبدو صورته أكبر.

وهذا تحديداً ما يجعل الشتيمة، مهما بدت قوية في لحظتها، علامة ضعف أكثر منها علامة قوة، لأن الحجة تحتاج إلى معرفة وتفكير ووثيقة وقدرة على التفكيك، بينما لا تحتاج الشتيمة إلى شيء من ذلك كله؛ يستطيع أي شخص أن يقول عن خصمه إنه كلب، لكن ليس كل شخص يستطيع أن يقرأ كلام خصمه بدقة، ويحدد مواطن الخلل فيه، ويقدم حجة مضادة تقنع قارئاً لا ينتمي بالضرورة إلى أي من الطرفين، ولذلك فإن الانتقال من الحجة إلى الشتيمة لا يمثل في كثير من الأحيان تصعيداً في قوة الخطاب، وإنما يمثل هروباً من امتحان الحجة نفسه.

وعندما يقول أمين حسن عمر عن محمد الفكي إنه كلب، فإن محمد الفكي لا يصبح كلباً، وعندما يستدعي المومس في سجاله مع النور حمد فإن النور حمد لا يتحول إلى مومس، وعندما يصف عمر الدقير بالعفن والحنيطير فإن الدقير لا يصبح عفناً، وحين يختزل امرأة في خصرها وصدرها فإن جسدها لا يقدم أي حجة على موقفها السياسي أو الفكري، وإنما الذي يبقى بعد سقوط الشتيمة هو السؤال عن صاحبها، وعن السبب الذي جعله يحتاج إلى هذه اللغة في خلاف كان يمكن أن يخوضه بالحجة.

وهكذا تعمل البذاءة في المجال العام بطريقة عكسية تماماً لما يتوقعه صاحبها؛ فهو يظن أنه يلطخ خصمه، بينما تبدأ الكلمات في رسم صورته هو، ويعتقد أنه ينتقص من الآخر، بينما يكشف للقارئ طبيعة الأدوات التي يملكها في إدارة الاختلاف، ويتصور أنه يثبت تفوقه، بينما يكشف مقدار حاجته إلى إقناع نفسه بهذا التفوق.

ولذلك فإنني لا أرى أن الرد على أمين حسن عمر ينبغي أن يكون شتيمة مقابلة، لأن ذلك يعني ببساطة قبول قواعد اللعبة التي فرضها هو، وتحويل النقاش إلى مستودع آخر من الألفاظ السوقية، بينما الرد الأكثر إيلاماً وفاعلية هو أن نضع قاموسه أمامه، ونتركه يشرح بنفسه صورة الرجل الذي يريد أن يقنع السودانيين بأنه مفكر وصاحب مشروع أخلاقي، ثم نسأل عن المسافة بين هذه الصورة وبين اللغة التي يستخدمها عندما يختلف مع خصومه.

وهنا ربما يصبح من المشروع أن نسأل عن الإنجاز الذي يمنح كل هذا الشعور بالتفوق، لا باعتبار السؤال محاولة للنيل من تاريخ الرجل، وإنما لأن التاريخ السياسي والفكري يفرض على أصحاب التجارب الكبرى قدراً من التواضع، وأمين حسن عمر كان جزءاً من نظام حكم السودان ثلاثين عاماً، وهي تجربة لا يمكن تجاوزها بجملة دفاعية أو بتحميل الآخرين وحدهم مسؤولية كل ما حدث، كما لا يمكن أن يكون سقوط النظام في 2019 مجرد تفصيل عابر في سيرة من كانوا يدافعون عنه، ثم نستمر بعد ذلك في التعامل مع خصومهم كما لو أن التاريخ لم يقل كلمته بعد.

لقد كان أمين حسن عمر واحداً من الذين امتلكوا فرصة طويلة للتأثير في السودان، ولذلك فإن السؤال الذي يحق للسودانيين طرحه ليس فقط عن قدرته على الرد على محمد الفكي أو عمر الدقير أو غيرهما، وإنما عن حصيلة التجربة التي دافع عنها، وعن مقدار ما تعلمه منها، وعن سبب استمرار اللغة التي كانت تنظر إلى المختلف بوصفه خصماً ينبغي تحقيره حتى بعد أن أثبتت تجربة السلطة نفسها أن البلاد لا يمكن أن تُدار بمنطق الغالب والمغلوب، ولا بمنطق من يملك الحقيقة ومن لا يملك منها شيئاً.

ولعل المفارقة الأكثر قسوة أن الرجل الذي يتحرك داخل مرجعية إسلامية، ويعرف جيداً أن الخطاب الديني لا يتعامل مع اللسان باعتباره عضواً بلا مسؤولية، يجد نفسه في مواجهة قاموس يصعب التوفيق بينه وبين أي تصور جاد للأخلاق، لأن السؤال هنا لا يتعلق بالمجاملة أو بالرقة المصطنعة، وإنما بالحد الأدنى من احترام الإنسان الذي نختلف معه، فكيف يمكن لمشروع أخلاقي أن يقنع الناس بسمو غايته إذا كان صاحبه يستدعي الحيوان والجسد والعرض والإيحاء الجنسي كلما ضاقت عليه مساحة الاختلاف؟

وهذا لا يعني أن النقد ينبغي أن يصبح ناعماً أو أن السياسي مطالب بأن يتحدث بلغة ملساء طوال الوقت، لأننا نحتاج في المجال العام إلى النقد الحاد والصريح، ونحتاج إلى تسمية الاستبداد استبداداً والفساد فساداً والكذب كذباً، لكن الفارق الذي ينبغي ألا يضيع بيننا هو أن قسوة النقد يمكن أن تكون فضيلة حين تكون قسوة على الفكرة، بينما تتحول إلى سقوط حين تصبح قسوة على الإنسان نفسه، ولذلك فإن القول إن فكرة ما فاسدة يختلف جذرياً عن تحويل صاحبها إلى حيوان، والقول إن موقفاً سياسياً منافق يختلف عن الطعن في جسد امرأة، وفضح خطأ حزب سياسي يختلف عن تجريد أعضائه من كرامتهم الإنسانية.

ولذلك فإن قضية أمين حسن عمر في جوهرها ليست قضية لسان بذيء فقط، وإنما قضية تصور للسياسة، لأن من يعتاد تحقير الخصم في اللغة يصبح أكثر قابلية لرؤيته باعتباره أقل استحقاقاً للحوار، ومن يرى المختلف أقل استحقاقاً للحوار يصبح أكثر استعداداً لإخراجه من المجال السياسي، ومن يخرجه من المجال السياسي قد يصل في النهاية إلى الاعتقاد بأنه لا يستحق حتى أن يكون شريكاً في الوطن، وهنا يتحول الغرور الشخصي إلى بنية سياسية، وتتحول الشتيمة من كلمة إلى ممارسة، ويتحول احتقار الإنسان المختلف إلى طريقة في إدارة المجتمع.

وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن نتعلمه من تاريخ الإنقاذ لا أن نعيد إنتاجه في خلافاتنا الجديدة، لأن السودان الذي خرج من ثلاثين عاماً من الاستقطاب ثم دخل في حرب مدمرة لا يحتمل أن تستمر فيه اللغة التي قسمت الناس إلى أصحاب حق وأصحاب باطل قبل أن تمنحهم حتى فرصة أن يكونوا مواطنين متساوين، ولا يحتمل أن يصبح الوطن مرة أخرى مجالاً لتوزيع صكوك الوطنية بواسطة هذا الطرف أو ذاك، لأن الوطن ليس ملكاً للحركة الإسلامية، كما أنه ليس ملكاً لقحت أو للحزب الشيوعي أو للجيش أو للدعم السريع أو لأي تحالف سياسي، وإنما هو المجال المشترك الذي يفترض أن يتسع لكل هؤلاء، ما داموا يتعاملون مع السياسة باعتبارها اختلافاً بين مواطنين لا حرباً بين كائنات بشرية متعارضة في حق الوجود.

ولهذا فإن استدعاء هيبوناكس في نهاية المطاف ليس مجرد لعبة عنوانية، وإنما هو مفارقة تاريخية تكشف شيئاً مهماً؛ فالرجل القديم كان معروفاً بأنه هجّاء، وكانت وظيفته الأدبية قائمة إلى حد كبير على السخرية والهجوم واللغة الفظة، ولذلك لم يكن أحد ينتظر منه أن يتحدث كفيلسوف أخلاقي أو كرجل دولة، بينما أمين حسن عمر يريد أن يجمع بين صورتين متناقضتين، صورة المفكر واسع المعرفة وصورة الشتّام الذي يهبط عند الخصومة إلى مفردات الحيوان والجسد والعرض، وهنا تصبح المفارقة أكبر من مجرد التشبيه، لأن السؤال لا يعود عن قدرة الرجل على الشتيمة، وإنما عن المسافة بين الصورة التي يريد أن يقدمها عن نفسه والصورة التي تتركها لغته وراءه.

ربما كان هيبوناكس القديم صادقاً مع وظيفته الأدبية، وربما كان عالمه يسمح للشاعر الهجائي بمساحة واسعة من السخرية والإساءة، أما أمين حسن عمر فلا يملك هذا العذر، لأنه يدخل إلى المجال العام بوصفه سياسياً ومثقفاً ورجل دولة سابقاً وكاتباً ومنظراً، ولذلك فإن عليه أن يعرف أن الكلمة التي يقولها ليست مجرد نكتة عابرة، وأن الشتيمة التي يوجهها إلى خصمه لا تختفي لحظة نشرها، وإنما تدخل في أرشيفه السياسي وتصبح جزءاً من صورته العامة، كما أن ثلاثين عاماً من السلطة لا تختفي بمجرد سقوط النظام، وإنما تبقى مسؤولية أخلاقية وسياسية تفرض على صاحبها أن يتعامل مع التاريخ بقدر أكبر من التواضع.

ولذلك ربما يكون أمين حسن عمر بحاجة إلى مرآة أكثر من حاجته إلى خصم جديد، مرآة لا تعرض له صورة الآخرين كما يريد أن يراهم، وإنما تعيد إليه الكلمات التي قالها هو، وتضع إلى جوارها الشهادة التي يحملها، والمواقع التي شغلها، والنظام الذي دافع عنه، والتجربة التي انتهت، ثم تترك له أن يرى بنفسه المسافة بين الرجل الذي يريد أن يكونه والرجل الذي تكشف عنه لغته عندما يغضب.

أما نحن، فلا نحتاج إلى أن نبحث له عن شتيمة مقابلة، لأن ذلك سيكون أقل من المقال وأقل من الفكرة وأقل من السودان الذي نحاول أن نخرج به من هذا الخراب، ويكفي أن نضع أمامه قاموسه كله، وأن نقول إن الرجل الذي يريد أن يمشي بين السودانيين في هيئة المفكر ينبغي أن يعرف أن الفكر لا يُقاس فقط بما يقال في لحظات الهدوء، وإنما بما يبقى من اللغة عندما تضيق مساحة الحجة، وأن المثقف الحقيقي لا يثبت تفوقه بتحويل خصمه إلى كلب أو مومس أو عفن، وإنما يثبت قدرته على الاختلاف حين يستطيع أن يهزم الفكرة من دون أن يهين الإنسان.

وفي هذه النقطة تحديداً يصبح هيبوناكس أكثر من اسم قديم؛ يصبح مرآة ساخرة لرجل حديث، لأن الشاعر الإغريقي الذي اشتهر بالهجاء كان يعرفه التاريخ بما يفعله بلسانه، بينما يواجه أمين حسن عمر اليوم احتمالاً أكثر قسوة، وهو أن يظل التاريخ يتذكره لا فقط بما قاله عن السودان والحركة الإسلامية والإنقاذ، وإنما أيضاً بما كشفه لسانه عن علاقته بالخصومة وبالآخر وبنفسه، وعندها قد لا تكون المشكلة أن هيبوناكس عاد إلى الخرطوم، وإنما أن الخرطوم وجدت هيبوناكسها الخاص، رجلاً يريد أن يرتدي عباءة المفكر، لكن الشتّام الذي يسكن لغته يصر على أن يسبقه إلى الناس.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.