رقصة على حافة الهاوية: لعبة الوقت والسلاح الخفي؟

د. عثمان الوجيه

 

 

في أروقة القصور المغلقة وصالات القرار المعتمة، لم تكن طلقات الرصاص هي الوحيدة التي تُحدد مصير الأُمم، بل كانت الهمسات والقرارات الاقتصادية المحسوبة تُحدث دوياً يفوق صوت المدفعية، ورغم أنَّ التهديدات الأميركية العسكرية بالقتل والتدمير كانت تردد صداها مراراً وتكراراً على لسان الرئيس، إلا أنَّ الصدمة الحقيقية والزلزال الذي هز أركان طهران جاء هذه المرة من زاوية مختلفة تماماً؛ جاءت على لسان وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، لم يكن الرجل يحمل سلاحاً نفوذاً في ساحة المعركة، بل كان يمسك بمفاتيح حركة المال العالمي، وكلماته التي أُلقيت بعناية لم تكن مجرد استهلاك إعلامي عابر، بل بدا وكأنها كُتبت بحبر البيت الأبيض نفسه، لم يكتفِ الوزير بالتلميح للعقوبات، بل لوَّح بـ “أعظم عزلة اقتصادية منسقة في التاريخ” ترنو إلى إسقاط النظام نفسه، في طهران، لم يتأخر الرد، لكنَّ نبضه هذه المرة كان مفعماً بالغضب الممزوج بالوجع الداخلي، خرج رئيس البرلمان، قاليباف —الذي يجمع في شخصه بين حنكة المفاوض وشراسة الجنرال— ليعلن عن وضع خطط جديدة لمواجهة هذه التهديدات، غير أنَّ أهمية كلام قاليباف لم تكمن في الوعيد الموجه للخارج، بل في التلغراف الصريح والمفصلي الذي وجهه إلى الداخل؛ إلى المرشد الأعلى وللقادة العسكريين الذين تشتعل في صدورهم رغبة الحرب، قالها بصراحة جليّة: «بغض النظر عن مقدار قوتنا العسكرية، فإذا كان الناس جائعين، ونعاني من الشّح المالي والنمو الاقتصادي، فلن نتحمل»، كانت هذه الكلمات إقراراً ضمنياً بأن الجبهة المعيشية هي العقب الأكيلي الذي يهدد البناء من الداخل، فالضغوط الاقتصادية تاريخياً هي التي أشعلت شرارة الاحتجاجات الواسعة عام 2009 وما تلاها من هزات، وهي التي أرغمت الجميع على الجلوس إلى طاولة المفاوضات سابقاً، ومع أنَّ الصوت العسكري كان أعلى، إلا أن أنين الشكوى المعيشية بدأ يتسلل لقمة الهرم السيادي؛ فمن تحذيرات الرئيس الحالي بزشكيان من تبعات الحرب على لقمة العيش، إلى خروج الرئيس الأسبق محمد خاتمي منتقداً تكتيكات التفاوض المتصلبة ومخاطراً باتهامه في ولائه، وعلى الرقعة الشطرنجية الكبرى، وجد الاستراتيجيون الإيرانيون أنفسهم أمام إرباك حقيقي، لقد بنوا خطتهم على حشر واشنطن في الزاوية، مراهنين على عامل الوقت وحساسية أسعار الطاقة لدى المواطن الأميركي لتغيير المعادلة، ومن أجل ذلك، شُنت الحملات والمناوشات على خطوط الملاحة وناقلات النفط لرفع أسعار الوقود، طمعاً في تنازلات سياسية، وهكذا، أصبحت اللعبة صراعاً بين سلاحين: سلاح النفط والملاحة الإيراني، وسلاح خنق شرايين المال الأميركي، الإيرانيون يرون في “النافذة الزمنية” ورقج الرابحة، بينما يبعث إعلان وزير الخزانة الأميركي برسالة مفادها أن واشنطن مستعدة لتحدي لعبة الوقت هذه، لكن الحبل المشدود يزداد دقة؛ فالبقاء عليه يتطلب استمرار تدفق النفط عبر مضيقَي هرمز وباب المندب، وهنا تجد دول المنطقة —وعلى رأسها دول الخليج— أنفسها في قلب هذا الصراع، حيث تعيد فتح الممرات وتتحمل مخاطر التصدير لمنع ارتهان سوق البترول وقطع الطريق أمام أي تسليم لمقدرات المنطقة للميليشيات، في معركة لا تُقاس فاعليتها بالضربات، بل بالساعات المتبقية على ساعة الدفع الحسم.. هنا تحضرني طرفة فليسمح لي القارئ الحصيف بأن أوجزها في هذه المساحة وبهذه العجالة وهي:- في العصور الخالية، كان الملوك والجبابرة إذا أعلنوا الحرب، رصّوا الجيوش في السهول، وحشدوا الأساطيل في أعالي البحار، وحسبوا للأمر ألف حساب، أما في زمننا هذا، فالمشهد أيسر من ذلك بكثير؛ يفيق أهل الكوكب كل صباح، يفركون أعينهم، ثم يفتحون شاشاتهم ليروا أي جبهة جديدة قرر “سيد البيت الأبيض” أن يفتحها اليوم، علّهم يعثرون على خاتمةٍ لقصة البارحة، فلا يجدون إلا بدايةً لقصة أشد هولاً، ستة أشهر مرت على حرب الرئيس دونالد ترمب، أو ربما هي حرب أميركا، أو حفل ترفيهي مشترك بين الاثنين، لا أحد يدري على وجه الدقة! نصف سنة كاملة، والكوكب المحتار يتساءل: متى تضع هذه المأساة أوزارها؟ غير أن السحر انقلب على الساحر؛ فالرجل الذي ملأ الدنيا ضجيجاً بفلسفته الشهيرة في كتابه «الصفقة»، والتي تنص على ضرورة “إبقاء الخصم في حيرة دائمة”، وجد نفسه يغرق العالم كله في بلبلة لا أول لها ولا آخر، فمن شواطئ فنزويلا إلى أزقة غزة، ومن ملفات الرسوم الجمركية إلى جبهات الهجرة، تتراكم الحروب كأطباق في مطعم مكتظ، كان الرجل يظن أن الحروب تُدار كصفقات العقارات في نيويورك: تهديد خاطف، ثم تراجع، يعقبه توقيع عقود، ثم الذهاب بخطى واثقة لاستلام جائزة نوبل للسلام وسط تصفيق الجماهير! لكن الواقع كان أكثر تعقيداً ولؤماً من نياته الحسنة؛ إذ اكتشف جنرالاته أن الأساطيل الضخمة التي أُرسلت إلى أعالي البحار تائهة ومحاصرة في الممرات والمضايق الضيقة، تلعب مع الميليشيات لعبة “الغميضة”، أما الطامة الكبرى فكانت في تغيير قواعد اللعبة نفسها؛ إذ قرر الرئيس أن يُلغي العمل السياسي والدبلوماسي برُمته، وحوّل وزارة الخارجية إلى مجرد مكتب سفريات متنقل، وأصبح هو الناطق الرسمي باسم كل الأشياء في كل الأوقات، تتوالى التغريدات والبيانات: إنذارٌ صبيحة اليوم، وتحذيرٌ عند الظهيرة، ووعدٌ ساخر بـ “نراكم غداً” قبل النوم، ولكن، يبدو أن الرئيس نسى أن الإنذارات التي تؤتي أُكلها في التاريخ هي تلك التي تُقال مرة واحدة بهيبة وجدية —على غرار الإنذار الأميركي الشهير أيام العدوان الثلاثي على مصر عام 1956— لا تلك التي تُكرر يومياً حتى تصبح كأنها النشرة الجوية! ولعل الذروة في هذه الدراما الساخرة كانت لحظة الصدمة؛ حين اكتشف العالم أن أكثر الصناعات تطوراً وازدهاراً في جبال “صعدة” ليست الفخار أو الزراعة، بل الصواريخ الباليستية! هناك، حيث لم يكن الخبز يوماً من ضمن قائمة الهموم —مثله في ذلك مثل أرواح الناس— تستمر الرقصة على حافة الهاوية، بينما يتساءل العالم المغشية عليه: هل ما نراه استراتيجية كبرى لتهدئة العالم، أم مجرد عرض ممتد لمسرحية الرجل الواحد؟، The dance on the edge of the abyss continues, while the stunned world wonders: Is what we are witnessing a grand strategy to pacify the world, or merely an extended performance of a one-man show? وعلى قول جدتي:- “دقي يا مزيكا!!”.

خروج؛- “عزيزي المُقرصن، حولنا لك المليون دولار: ملحمة بنك تنمية الصادرات في تبديد الثروات وسط الخراب ..!!؟؟” بينما كانت سماء السودان تتوشح بسحب الدخان الأسود منذ منتصف أبريل من العام ٢٠٢٣، والبلاد تنزف من وريدها إلى وريدها في حرب ضروس أكلت الأخضر واليابس، وشردت الملايين في أصقاع الأرض هرباً من الموت المجاني والدمار الشامل، كان هناك عالم موازٍ يعيش في فقاعة إدارية عجيبة، في أروقة “بنك تنمية الصادرات”، لم تكن أصوات المدافع ولا أنين المشردين هي ما يشغل بال الإدارة، بل هموم “التقنية المصرفية السويسرية”! نعم، في خضم انهيار وطن بأكمله، كان البنك العتيد مهموماً بتسديد مديونية بقيمة مليون دولار أمريكي لشركة سويسرية، على أن تُودع في حساب الشركة المعتمد ببنك أبوظبي الإسلامي، لكن، ولأن الأقدار تأبى إلا أن تضفي لمسة من الكوميديا السوداء على المشهد المأساوي، هبطت على البريد الإلكتروني للمدير العام، السيد عبد الخالق السماني، رسالة عابرة، لم تكن رسالة تحمل شفرات معقدة أو هجوماً سيبرانياً بأسلحة إلكترونية ثقيلة، بل مجرد طلب ودي غاية في البساطة والرقة: “عزيزي المدير، لقد غيرنا رأينا، هلا تفضلت بتحويل المليون دولار إلى حساب آخر؟”، وفي لحظة تجلت فيها أبهى صور الحنكة المصرفية والعبقرية الإدارية الفذة، قرر السيد المدير أن يضرب بعرض الحائط كل تلك التعقيدات البيروقراطية المملة، فما حاجة مدير بهذا الحجم والوزن إلى إجراء اتصال هاتفي تافه بالشركة السويسرية للتأكد؟ ولماذا يضيع وقته الثمين في مراجعة قنوات الاتصال الرسمية وتفعيل ضوابط الأمان التي يصدعون بها رؤوس صغار الموظفين والعملاء؟ فالرجل يبدو أنه يتمتع بـ “فراسة” تغنيه عن بروتوكولات الأمان، وبجلال قدره، وبنقرة زر سريعة ملؤها الثقة المطلقة في الغرباء، أصدر فرمانه العظيم بتحويل المليون دولار كاملة إلى الحساب الجديد فوراً، وهكذا، طارت الأموال بسلاسة يُحسد عليها في فضاء الإنترنت السحيق، لتستقر في جيب محتال محظوظ لم يصدق يوماً أن السطو على بنك عريق يتطلب فقط إرسال بريد إلكتروني مهذب، ليقوم المدير العام بإتمام المهمة نيابة عنه وبكل تفانٍ، وعندما انقشع غبار السذاجة، واكتشف البنك أنه تبرع بأمواله تحت لافتة “الاحتراف السيبراني” وهي مصطلحات فخمة تُستخدم عادة لتغطية أخطاء لا يقع فيها مبتدئ في عالم الإنترنت، انتفض مجلس الإدارة، وبحزم مسرحي لا يقل عن حزم الجنرالات، قرروا تشكيل “لجنة تحقيق عاجلة”! سيبحثون في الملابسات، ويراجعون السياسات والضوابط الوهمية، بينما يقف السودانيون في طوابير النزوح والمجاعة، يتساءلون في أسى: كيف لوطن أن ينجو من طلقات المدافع، إذا كانت مؤسساته تُسلم مفاتيح خزائنها بمجرد “إيميل”؟.

#أوقفوا_الحرب ولن أزيد،، والسلام ختام.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.