معلمو الجزيرة.. أي ذنبٍ اقترفتم حتى يُؤجَّل تعديل رواتبكم؟

 حسن عبد الرضي

 

بكل الأسى، وبقدرٍ كبير من الألم، يقف معلمو ولاية الجزيرة اليوم أمام واقعٍ لا يليق بمن يحملون على عاتقهم رسالة التعليم، ولا بمن يفترض أن يكون راتبهم حقاً ثابتاً لا منّةً ولا صدقة. فلقد كُتب على معلمي الجزيرة، فيما يبدو، ألا يحلموا براتب أغسطس المعدّل. فقد جرى احتساب راتب أغسطس وفق التعديل القديم، بينما أُرجئت قرارات التعديل الجديدة إلى عام ٢٠٢٧ بحجة انتظار دخول الميزانية الجديدة.

يا لها من مفارقة موجعة! كيف يُطلب من المعلم أن يعلّم أبناء الناس الصبر، وهو نفسه لا يجد من يعلّمه كيف يصبر على راتبٍ لا يكفي احتياجاته؟ وكيف يُطلب منه أن يقف أمام التلاميذ شامخاً، وهو يعود إلى بيته مثقلاً بالديون، عاجزاً عن توفير أبسط ضروريات الحياة؟

المعلم لا يطلب رفاهية. لا يطلب قصراً ولا سيارة فارهة. إنه يطلب راتباً يحفظ له كرامته، ويعينه على الطعام والدواء والمواصلات والإيجار ومصاريف أسرته. يطلب فقط أن يحصل على حقه في الوقت المناسب وبالقيمة التي أُقرت له.

أما أن يُقال له: انتظر حتى عام ٢٠٢٧، (عيش يا حمار لما تقوم النجيلة)، وكأن الجوع والفقر والديون تستطيع هي الأخرى أن تنتظر دخول الميزانية الجديدة، فذلك هو الوجع بعينه.

أيها المسؤولون في ولاية الجزيرة، تذكروا أن المعلم ليس رقماً في كشف المرتبات. إنه إنسان، وله أسرة وأطفال والتزامات وحياة كاملة لا تتوقف حتى تدخل ميزانية جديدة.

وماذا يفعل المعلمون الآن؟ هل يطلب منهم أن يستدينوا أكثر؟ أن يقللوا وجبات أسرهم؟ أن يركبوا المواصلات بالدين؟ أن يؤجلوا علاج أطفالهم؟ أن يطرقوا أبواب الأصدقاء والجيران؟ أم أن المطلوب منهم أن يواصلوا التدريس بابتسامة مصطنعة، بينما حقوقهم مؤجلة إلى عامٍ آخر؟ إن قضية معلمي الجزيرة ليست قضية راتب فقط؛ إنها قضية كرامة. وعندما يُهان المعلم، فإن الإهانة لا تتوقف عند باب منزله، بل تمتد إلى الفصل الدراسي، وإلى مستقبل التلاميذ، وإلى التعليم كله.

نحن لا نريد من وزارة المالية أن تمنح المعلمين شيئاً من جيبها. نريدها أن تؤدي حقاً مستحقاً، وأن تنظر إلى المعلم باعتباره شريكاً في بناء الولاية، لا عبئاً على ميزانيتها. فيا حكومة ولاية الجزيرة: أنقذوا معلميكم قبل أن ينهار صبرهم. ويا معلمي الجزيرة: لا تجعلوا وجعكم صامتاً. فالصمت أمام الظلم لا يطعم أسرة، ولا يسدد ديناً، ولا يعيد للمعلم كرامته.

لقد صبر المعلمون كثيراً، وتحملوا ما لا يحتمل. لكن للصبر حدوداً، وللكرامة حدوداً، وللحياة نفسها كلفة لا تستطيع رواتب مؤجلة أن تدفعها.

فماذا يفعل المعلمون؟

هذا السؤال لا ينبغي أن يظل موجهاً إلى المعلمين وحدهم؛ بل يجب أن يُوجَّه أولاً إلى من يملكون القرار: ماذا ستفعلون أنتم من أجل معلمي الجزيرة؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.