تتجدد معاناة المعلمين في الولاية مع صرف راتب أغسطس، وسط معلومات تفيد باحتساب الراتب وفق التعديل القديم، بينما لم تنعكس التعديلات الجديدة على المرتب الحالي، مع حديث عن إرجاء تنفيذ بعض الاستحقاقات إلى العام المالي 2027، بحجة ارتباطها بالموازنة الجديدة.
وتأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه معلمو الجزيرة أصلاً ملفاً ثقيلاً من المتأخرات والاستحقاقات غير المسددة. وكانت وزارة التربية والتعليم بالولاية قد كشفت في يونيو الماضي عن متأخرات تشمل أربعة أشهر من العام 2023 بنسبة صرف بلغت 40%، وكامل مستحقات عام 2024، إلى جانب بدلات ومنح لم تُعدّل أو تُصرف لسنوات.
أكثر من 34 ألف معلم في انتظار حقوقهم
وتكتسب الأزمة بعداً أكبر بالنظر إلى حجم قطاع التعليم في ولاية الجزيرة؛ إذ أعلنت حكومة الولاية في أغسطس الجاري أن عدد المعلمين يتجاوز 34 ألف معلم ومعلمة، في وقت تستضيف فيه الجزيرة أعداداً كبيرة من الطلاب القادمين من الولايات المتأثرة بالحرب.
وفي 16 أغسطس، بدأت لجنة حكومية أعمال حصر متأخرات المعلمين والعاملين بالتعليم العام، وتشمل العملية المرتبات والبدلات والمنح ومستحقات المعاشيين، خصوصاً عن عامي 2023 و2024.
وبذلك لا تبدو مشكلة راتب أغسطس حادثة منفصلة، وإنما حلقة جديدة في سلسلة ممتدة من التعقيدات المالية التي يعيشها العاملون في قطاع التعليم.
قرارات اتحادية.. وتنفيذ مؤجل
وكانت رئاسة الوزراء قد أعلنت في أغسطس حزمة قرارات لمعالجة قضايا المعلمين، تضمنت الإنفاذ الفوري للمنشورات الصادرة عن مجلس الوزراء وديوان شؤون الخدمة، وسداد متأخرات الأجور والمنح والبدلات بجدولة حتى نهاية العام المالي 2026، على أن تبدأ عمليات الصرف اعتباراً من أغسطس.
كما أعلنت الحكومة أن مركزية مرتبات المعلمين ستبدأ اعتباراً من يناير 2027.
وهنا تظهر نقطة جوهرية في الأزمة: فإذا كانت القرارات الاتحادية قد نصت على بدء تنفيذ بعض الاستحقاقات اعتباراً من أغسطس، فإن أي تأخير على مستوى الولاية أو اختلاف في طريقة احتساب الراتب يحتاج إلى توضيح رسمي واضح للمعلمين، حتى لا يتحول الغموض الإداري إلى أزمة ثقة جديدة.
ماذا يقول الخبراء؟
ويرى خبراء في الاقتصاد والإدارة العامة أن قضية رواتب المعلمين لا ينبغي التعامل معها باعتبارها بنداً محاسبياً عابراً، لأن انتظام الأجور يمثل جزءاً أساسياً من استقرار الخدمة العامة.
ويشير خبراء اقتصاديون إلى أن تأجيل الاستحقاقات المالية للمعلمين إلى موازنة لاحقة قد يوفر للحكومة هامشاً مؤقتاً لتخفيف الضغط على السيولة، لكنه في المقابل ينقل الأزمة إلى الموظف والأسرة، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.
وبحسب هذه القراءة، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بقيمة الزيادة، وإنما بالفارق بين الأجر الاسمي والأجر الحقيقي؛ فحتى عندما يرتفع الراتب رقمياً، يمكن أن تتآكل قيمته سريعاً إذا لم تواكب الزيادة ارتفاع أسعار الغذاء والنقل والسكن والخدمات الأساسية.
ويحذر مختصون في شؤون التعليم من أن استمرار عدم الاستقرار المالي للمعلمين قد ينعكس مباشرة على العملية التعليمية، عبر ارتفاع معدلات الغياب، والهجرة من المهنة، وتراجع الدافعية، وتصاعد الاحتجاجات والإضرابات.
وهذه المخاوف ليست افتراضية بالكامل؛ فقد شهدت الجزيرة بالفعل إضراباً مفتوحاً للمعلمين في يونيو، كان من أبرز مطالبه تحسين الأجور وصرف المستحقات المالية ومعالجة أوضاع الخدمة.
الراتب ليس منحة
ويقول خبراء في الإدارة المالية العامة إن التعامل مع رواتب العاملين باعتبارها التزاماً يمكن تأجيله متى ضاقت الموارد يخلق مشكلة أكبر من العجز المالي نفسه؛ لأن الراتب يمثل التزاماً تعاقدياً وقانونياً، وتأخره ينعكس على أداء المؤسسات وعلى الاستقرار الاجتماعي.
وفي حالة المعلمين تحديداً، فإن التأخير يحمل تكلفة مضاعفة: المعلم يتضرر مالياً، والطالب يدفع ثمن اضطراب العملية التعليمية.
كما أن معالجة المتأخرات دون وضع آلية واضحة لمنع تراكمها مجدداً قد تجعل اللجان والحصر والإجراءات الإدارية تدور في حلقة مفرغة، بدلاً من معالجة جذور المشكلة.
بين أغسطس و2027.. ماذا ينتظر المعلم؟
السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس فقط: متى تُصرف الزيادة؟ وإنما أيضاً: ما مصير الفوارق المالية التي نتجت عن احتساب راتب أغسطس وفق التعديل القديم؟
وهل ستتم معالجة الفروقات بأثر رجعي؟
وهل ستلتزم الجهات المختصة بما أعلنته الحكومة بشأن بدء صرف المتأخرات والاستحقاقات اعتباراً من أغسطس؟
وهل يمثل يناير 2027 بداية حقيقية لمركزية رواتب المعلمين، أم أن المعلمين سيجدون أنفسهم أمام دورة جديدة من التأجيل والإجراءات؟
هذه الأسئلة تحتاج إلى إجابات رسمية مكتوبة، لا إلى تطمينات عامة.
أزمة معلم.. وأزمة دولة
ما يحدث في الجزيرة يتجاوز حدود الراتب الشهري. فالمعلم الذي يقف أمام السبورة وهو مثقل بالديون، ومتأخرات سنوات، وارتفاع تكاليف المعيشة، لن يستطيع أن يؤدي رسالته بالقدر المطلوب مهما بلغت درجة التزامه المهني.
وتؤكد الوقائع المتاحة أن ملف معلمي الجزيرة أصبح بحاجة إلى تسوية شاملة تشمل المتأخرات، والفروقات الناتجة عن التعديلات، والبدلات، والمنح، وآلية الصرف المنتظم مستقبلاً.
فالمعلم لا يطلب امتيازاً استثنائياً، وإنما يطالب بحقه في راتب عادل ومنتظم، وببيئة مهنية تحفظ كرامته.
وفي بلد أنهكته الحرب، يصبح الحفاظ على المدرسة والمعلم استثماراً في ما تبقى من المستقبل.
أما ترك المعلم ينتظر راتبه، ثم ينتظر تعديل راتبه، ثم ينتظر مستحقاته، ثم يُطلب منه أن ينتظر موازنة العام المقبل، فهو في النهاية انتظار يدفع ثمنه التعليم نفسه.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.