قرار قريضة يختبر حدود الفيدرالية والحريات العامة

قريضة: عين الحقيقة

أثار قرار إداري صادر عن لجنة أمن محلية قريضة بولاية جنوب دارفور، وممهور بتوقيع المدير التنفيذي للمحلية، محمد موسى أبكر مهدي، جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والمجتمعية، على خلفية ما تضمنه من إجراءات تتعلق بالممارسات الدينية، وتنظيم النشاط التجاري، وفرض غرامات مالية على بعض الأنشطة الاجتماعية.

وتضمن القرار توجيهات بإقامة صلاة الاستسقاء بصورة يومية، إلى جانب تحديد مواعيد لفتح المحال التجارية، وفرض غرامات مالية على الحفلات والرحلات المختلطة، الأمر الذي أثار تساؤلات بشأن حدود صلاحيات الإدارة المحلية وطبيعة الإجراءات التي يمكن للسلطات اتخاذها لتنظيم الحياة العامة.

ويرى مؤيدون للقرار أن هذه الإجراءات تأتي في إطار تنظيم شؤون المحلية ومراعاة خصوصيتها الدينية والاجتماعية والثقافية، باعتبار أن النظام الفيدرالي يمنح السلطات المحلية مساحة لإدارة قضايا مجتمعاتها وفقاً لظروفها واحتياجاتها، بعيداً عن القرارات المركزية الموحدة.

في حين انتقدت أصوات سياسية وحقوقية ما ورد في القرار، معتبرة أن فرض ممارسات دينية أو تقييد بعض الأنشطة الاجتماعية باستخدام الغرامات المالية يثير إشكالات تتعلق بالحريات العامة وحدود تدخل السلطة التنفيذية في الحياة الخاصة للمواطنين.

وأثار القرار، على وجه الخصوص، نقاشاً حول مدى انسجام هذه الإجراءات مع الخطاب السياسي الداعي إلى بناء دولة مدنية وفيدرالية، وحول ما إذا كانت اللامركزية تمنح السلطات المحلية صلاحيات مفتوحة، أم أنها تظل مقيدة بضمانات الحقوق والحريات الأساسية.

ويرى مواطنون في ولاية جنوب دارفور أن منح المحليات صلاحيات واسعة لإدارة شؤونها لا يعني بالضرورة السماح لها بفرض قيود على المواطنين خارج إطار القانون، محذرين من أن استخدام «الخصوصية المحلية» لتبرير قرارات تمس الحريات قد يؤدي إلى إعادة إنتاج أنماط من الوصاية المجتمعية، وإن اختلفت الجهات التي تمارسها.

وفي سياق آخر، يرى آخرون أن تقييم القرار ينبغي أن يتم في سياقه المحلي، مع مراعاة طبيعة المجتمع والظروف الأمنية والاجتماعية التي تعمل فيها الإدارة المحلية، مؤكدين أن الفيدرالية تقوم في جوهرها على تمكين المجتمعات المحلية من إدارة شؤونها بما يتناسب مع خصوصياتها.

ويعيد الجدل حول قرار قريضة إلى الواجهة واحدة من أبرز القضايا التي تواجه أي مشروع للحكم اللامركزي في السودان، والمتمثلة في كيفية تحقيق التوازن بين حق المجتمعات في إدارة شؤونها واحترام الخصوصيات المحلية من جهة، وضمان الحقوق والحريات الفردية من جهة أخرى.

كما يضع القرار القوى السياسية التي ترفع شعارات الدولة المدنية والفيدرالية أمام اختبار عملي بشأن قدرتها على تطبيق المبادئ التي تطرحها سياسياً على مستوى مؤسسات الحكم المحلية، خصوصاً عندما تتعارض بعض الممارسات مع مفهوم الحريات العامة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.