أيها المتشيخ الضلالي، حامل لواء الفتنة والنفاق، الذي يعرف كيف يؤذي الخلق ولا يبالي، لأنك لا ترى في الآخرين ما يستحق المبالاة، فالآخر في نظرك ليس إلا وسيلةً إلى السلطة والجاه. والسؤال الموجه إليك: هل الفضيلة والأخلاق والمحرمات حقائق ثابتة، أم أنها مجرد اتفاقات اجتماعية تختفي حين تزول الحاجة إليها؟
وأياً كانت إجابتك، فلماذا تصدر فتوى بتحليل ما حرم الله، أو بما يُفهم منه إباحة ما ظل محرماً بنصوص واضحة؟ وهل يجوز لمن يتصدر للفتوى أن يجعل أحكام الدين رهناً بالمصلحة والظرف، فيبيح اليوم ما ظل بالأمس محرماً؟ إن السؤال هنا ليس عن فتوى عابرة، بل عن معيار ثابت يُحتكم إليه حين تتعارض النصوص مع المصالح والأهواء.
وهل من يجاهد في سبيل الله معصوم من الخطايا؟ وهل مجرد رفع راية الحق يمنح صاحبها حصانة أخلاقية تبيح له ما لا يباح لغيره؟
يبدو، في بعض مواقفك وخطابك، أنك لا ترى مانعاً من جزّ الرؤوس، وبقر البطون وأكل الأحشاء و”الكبود”، والتمثيل بالجثث التي حرم الله انتهاك حرمتها، لأن الآخر وبحسب منطقك المعوج لا يبدو كإنسان كامل الكرامة، وإنما يتحول إلى أداة في صراع أكبر منه. والآخرون، حين يفقدون إنسانيتهم في خطاب الخصومة، يصبحون مجرد وسائل؛ والأداة، بالمعنى التقليدي للكلمة، ليست وسيلة في ذاتها، وما دامت الغاية مقدسة في نظر صاحبها، يصبح كل شيء قابلاً للتبرير.
وهذا هو الخبث اللطيف الذي لا يحتاج منك إلى إعلان نواياك؛ يكفي أن تترك للفتوى أن تقول ما لا تريد أنت أن تقوله صراحة.
لقد كشف الشعب السوداني، هذا الوجه القبيح من خطابك منذ مواقفك السياسية والدينية في عهد المخلوع بأمر الثورة عمر حسن البشير، وما نُسب إليك من فتاوى ومواقف مرتبطة بسلطة النظام وقمع خصومه. ومن أخطر ما يتداول في هذا السياق الحقيقة الثابتة بشهادة الشهود بأنك أفتيت بقتل ثلث الشعب السوداني. وهي واقعة تنفيها أنت، بما يشبه الإنكار والتنصل من جرم ثابت بالدليل المادي وهو شهادة من كان حاضراً .
وهل يا شيخ الفتنة والضلال سرقة أموال الناس بالباطل لا تعتبر من المحرمات؟ لقد ورد في محاكمة عمر البشير أنه قال إنه سلّمك خمسة ملايين دولار. وهذه واقعة بالغة الخطورة، لأنها لا تتعلق بمال شخصي عابر، وإنما بحسب ما أُثير حولها تعتبر أموال عامة وحقوق شعب أنهكته الحرب والفقر والجوع. والسؤال هنا ليس ترفاً سياسياً ولا خصومة شخصية: ما حقيقة هذه الأموال؟ ومن أين جاءت؟ ولماذا وصلت إليك؟ وأين ذهبت؟ وهل لديك ما يبدد هذه الشبهة الثقيلة بصورة واضحة لا تحتمل الالتباس؟ لا أعتقد ذلك. فذمتك أوسع من “البحور” التي قطعتها لتتمتع بنعيم العلمانية الأردوغانية.
ثم يا شيخ الفتنة: ماذا عن ما نُسب إليك من إباحة الخمر للمقاتلين الذين يقاتلون من أجل الكرامة والحق؟ هل كانت فتوى خاصة بزمانها ومكانها وملابساتها، ينبغي ألا نحملها أكثر مما تحتمل؟ أم أنها إذا أُخذ منطقها على إطلاقه تفتح الباب أمام كل مقاتل يعتقد أنه يخوض معركته الخاصة لكي يقول: أنا في سبيل قضية وحرب كرامة، إذن ما كان حراماً بالأمس صار مباحاً اليوم؟
وهنا تكمن المسألة الأخطر: إذا كان الحرام يتحول إلى حلال بمجرد تغير الظرف السياسي أو العسكري، فما الذي يبقى من حرمة الحرام؟ وإذا كانت الغاية تستطيع أن تعيد تعريف الوسيلة، فمن الذي يضع الحدود؟ ومن الذي يمنع أن تتحول الضرورة إلى ذريعة، والذريعة إلى قاعدة، والقاعدة إلى فوضى أخلاقية لا سقف لها؟
أيها الكوز الضلالي، إنك تؤذي ولا تبالي. لقد آذيت، في نظر قطاعات واسعة من السودانيين، الشعب السوداني بانحيازك إلى السلطة حين كان المطلوب من رجل الدين أن ينحاز إلى الإنسان، وإلى الحق، وإلى حرمة الدم، وإلى كرامة المظلوم.
ليست المشكلة في أن يكون للشيخ رأي سياسي؛ فالرأي السياسي حق، والخلاف حق، والاجتهاد حق. لكن الكارثة تبدأ عندما تتحول العمامة إلى غطاء للسلطة، وتتحول الفتوى من ميزان للحق إلى أداة في يد القوة، ويصبح الدم مجرد رقم في معادلة سياسية، ويصبح الإنسان مجرد وسيلة لتحقيق غاية يحددها أصحاب النفوذ.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الدين ليس أن يختلف الناس حول تفسيره، وإنما أن يُستخدم الدين لتجميل القبح، وتبرير الظلم، ومنح السلطة لساناً مقدساً تتحدث به.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحاً في وجهك ليس سؤال السياسة وحدها، بل سؤال الأخلاق: ماذا يحدث حين يصبح رجل الدين مستعداً لتكييف المحرمات مع مقتضيات المعركة، ولتسويغ أفعال لا يمكن تسويغها إذا صدرت عن الخصم؟
هل تتغير حرمة الدم بتغير الراية؟ هل تتغير حرمة المال بتغير صاحب السلطة؟
هل تتغير حرمة الخمر بتغير هوية المقاتل؟ وهل تصبح الجريمة أقل بشاعة لأن مرتكبها يزعم أنه يفعلها من أجل قضية يراها عادلة؟
إن الدين الذي يحمي الإنسان من الظلم لا يمكن أن يتحول إلى أداة لتبرير الظلم. والفتوى التي تفقد قدرتها على قول لا أمام السلطة، تفقد شيئاً جوهرياً من معناها الأخلاقي.
يا شيخ الفتنة وماسح بلاط الطغاة، هذه ليست خصومة مع شخصك بقدر ما هي مواجهة مع خطاب يرى كثير من السودانيين أنه أسهم في إضفاء المشروعية الدينية على واقع سياسي دفع فيه الشعب ثمناً باهظاً من الدم والكرامة والسنوات الضائعة.
والسؤال الأخير سيظل قائماً: عندما يتعارض رضا السلطة مع حرمة الإنسان، إلى أي جانب تقف الفتوى؟ وهنا السؤال هو الاجابة. وهنا، تحديداً، يُختبر العلماء. وهنا، تحديداً، تسقط الأقنعة. فارقص ياشيخ الضلال مع الراقصين فلا داعي لتغطية “دقنك”.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.