لم تعد معاناة السودانيين بسبب الحرب محصورة داخل حدود السودان. فبالنسبة إلى ملايين الذين اضطروا إلى الفرار، يبدو أن بعض أشكال المعاناة قد عبرت معهم الحدود، وإن اختلفت أدواتها: اعتقال، تضييق، إجراءات أمنية، أزمات اقتصادية، وصعوبات متزايدة في الإقامة والعمل، فضلاً عن محاولات تشويه صورة اللاجئ السوداني.
السؤال الأكثر إزعاجاً هنا ليس فقط: لماذا يعاني السودانيون في دول اللجوء؟ بل: هل أصبحت الدولة السودانية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، جزءاً من منظومة الضغط على مواطنيها خارج البلاد؟
في مصر، لم تعد قضايا الاعتقال والترحيل مجرد روايات متداولة بين السودانيين؛ فقد وثقت منظمات حقوقية حالات اعتقال واحتجاز وترحيل استهدفت سودانيين وطالبي لجوء، بما في ذلك حالات لأشخاص كانت لديهم وثائق مرتبطة بالمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وهو ما يجعل قضية اللاجئ السوداني في مصر قضية حقوقية وإنسانية تتجاوز الخلافات السياسية.
لكن الصورة لا تتوقف عند مصر.
في شرق أفريقيا، وخصوصاً أوغندا، يواجه السودانيون أشكالاً أخرى من الضغوط، تتصل بالإجراءات القانونية، والاقتصاد، والعمل، والإقامة، وتراجع بعض الخدمات، فضلاً عن ممارسات استغلال وابتزاز وثقتها تحقيقات صحفية.
وهنا تظهر زاوية أخرى لا تقل أهمية: التحويلات المالية.
فالسوداني الذي خرج من بلاده بحثاً عن الأمان يعتمد، في كثير من الحالات، على تحويل الأموال بين الجنيه السوداني والعملات المحلية في دول اللجوء. ومع الانهيار الكبير في قيمة الجنيه السوداني واتساع الفجوة بين أسعار الصرف الرسمية والموازية، أصبحت قيمة التحويلات نفسها جزءاً من معركة بقاء الأسرة السودانية خارج البلاد.
لكن السؤال الذي يستحق تحقيقاً صحفياً مستقلاً هو:
هل كل هذه التحولات مجرد نتيجة طبيعية لانهيار الاقتصاد السوداني والحرب، أم أن هناك سياسات مالية وإجرائية جعلت حياة السودانيين في دول الجوار أكثر صعوبة؟
هذا السؤال لا يمكن الإجابة عنه بالشعارات، ولا بالاتهامات المجردة.
إذا كانت هناك تعليمات رسمية، أو سياسات مصرفية متعمدة، أو توجيهات أمنية تستهدف التحويلات الخاصة بالسودانيين في الخارج، فيجب أن تظهر الأدلة: مراسلات، منشورات مصرفية، تعليمات داخلية، شهادات موظفين، بيانات تحويلات، أو قرارات رسمية يمكن التحقق منها.
والأكثر حساسية هو الاتهام المتداول بوجود خطة استخباراتية لتشويه صورة السودانيين في أوغندا، ودفع المجتمع والسلطات الأوغندية إلى النظر إليهم باعتبارهم مصدراً للجريمة أو تهديداً أمنياً.
هذا اتهام خطير، ولا ينبغي للصحافة المهنية أن تتعامل معه باعتباره حقيقة لمجرد تداوله.
لكن في الوقت نفسه، فإن خطورة الاتهام لا تعني تجاهله؛ بل تستوجب التحقيق فيه.
من يقف خلف حملات التشويه؟
هل توجد حسابات أو صفحات منظمة تستهدف السودانيين؟
هل هناك شبكات تنتحل صفة سودانيين وترتكب جرائم، ثم تُستخدم أفعالها لتعميم الاتهام على مجتمع اللاجئين؟
هل جرى تسريب معلومات أمنية أو تداولها بطريقة منظمة؟
هل ظهرت هذه الحملات في توقيت متزامن مع قرارات أو إجراءات حكومية ضد اللاجئين؟
ومن المستفيد سياسياً من تحويل صورة السوداني من لاجئ هارب من الحرب إلى مشكلة أمنية واجتماعية؟
هذه الأسئلة أهم من إطلاق الاتهامات.
فالصحافة لا تتمثل مهمتها في إثبات رواية مسبقة، وإنما في اختبارها بالأدلة.
السوداني اللاجئ في أوغندا ليس مجرد رقم في سجلات المفوضية. إنه إنسان ترك منزله، ووظيفته، وأسرته، وبلده بسبب حرب لم يخترها.
وعندما يصبح وجوده في الخارج مصدراً للخوف من الاعتقال أو الترحيل، أو فقدان مصدر الدخل، أو صعوبة تحويل المال إلى أسرته، فإن الحرب تكون قد تجاوزت حدودها الجغرافية.
وهنا نصل إلى جوهر القضية:
هل توقفت الدولة عن حماية مواطنيها عندما عبروا الحدود، أم أن بعض مؤسساتها أصبحت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، جزءاً من الضغط عليهم؟
الجواب يحتاج إلى تحقيق، لا إلى خطاب سياسي.
وفي المقابل، فإن التعامل مع اللاجئين السودانيين باعتبارهم كتلة واحدة من المجرمين، أو استخدام الحرب لتبرير التضييق عليهم، أمر خطير. كما أن استخدام اللاجئين كأداة في الصراع السياسي أكثر خطورة.
فالسوداني الذي فر من الحرب لا ينبغي أن يجد نفسه في مواجهة حرب أخرى؛ حرب من أجل الإقامة، وحرب من أجل لقمة العيش، وحرب من أجل تحويل ماله إلى أسرته، وحرب من أجل إثبات أنه ليس مجرماً.
الحرب قد تدفع الإنسان إلى عبور الحدود، لكن الدولة لا ينبغي أن تطارده إلى حيث ذهب بحثاً عن الأمان.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.