لم يكن السودانيون يوماً عاجزين عن صناعة التغيير. فقد أثبتت ثورة ديسمبر أن الإرادة الشعبية قادرة على فرض نفسها عندما تتوحد حول أهداف واضحة، وأن الحراك المدني السلمي يمكن أن يصبح قوة مؤثرة في رسم مستقبل البلاد.
واليوم، وبعد سنوات من الحرب التي أرهقت السودان، يبدو أن الدرس الأهم هو أن إنهاء الصراع واستعادة المسار المدني يحتاجان قبل كل شيء إلى وحدة القوى المدنية والسياسية، وإلى تمسكها بالوسائل السلمية والقانونية في التعبير عن مطالبها.
لقد دفعت الحرب ثمناً باهظاً من أرواح السودانيين، وأدت إلى نزوح الملايين، وانهيار الخدمات، وتفاقم الأزمة الإنسانية بصورة غير مسبوقة. وتشير تقارير دولية إلى أن البلاد تواجه واحدة من أكبر أزمات النزوح والجوع في العالم.
في مثل هذا الواقع، تصبح مسؤولية القوى المدنية مضاعفة. فالخلافات السياسية لا ينبغي أن تطغى على الهدف الأكبر: وقف الحرب، وحماية المدنيين، وتهيئة الطريق أمام انتقال سياسي يشارك فيه السودانيون عبر مؤسسات مدنية ودستورية.
كما أن النقابات المهنية، ومنظمات المجتمع المدني، والاتحادات، والروابط الشبابية والنسوية، تمتلك دوراً مهماً في الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وفي التعبير السلمي عن مطالب المواطنين، ضمن الأطر القانونية التي تحمي حق التنظيم والتجمع السلمي. وقد لعبت التنظيمات المهنية والمدنية أدواراً بارزة في الحراك السوداني خلال السنوات الماضية، رغم ما واجهته من تضييق واضطرابات مرتبطة بالأزمة السياسية والحرب.
إن بناء السودان الجديد لا يبدأ من ساحات القتال، وإنما من ساحات الحوار، ومن المؤسسات المدنية، ومن احترام التنوع السياسي، ومن الاتفاق على قواعد ديمقراطية تتيح للشعب أن يختار من يحكمه عبر الوسائل السلمية.
لقد أثبتت التجارب أن الحروب لا تصنع استقراراً دائماً، وأن المجتمعات لا تنهض إلا عندما تتقدم السياسة على السلاح، والقانون على القوة، والمواطنة على الاستقطاب.
ولذلك، فإن وحدة القوى المدنية ليست مجرد خيار سياسي، بل ضرورة وطنية لحماية السودان من استمرار دوامة العنف، ولبناء مشروع جامع يقوم على السلام والعدالة وسيادة القانون.
ستظل ثورة ديسمبر، بالنسبة لكثير من السودانيين، محطة مفصلية في تاريخ البلاد ورمزاً للمطالبة بالحكم المدني والكرامة والعدالة. كما يظل مستقبل السودان مرهوناً بقدرة أبنائه على تحويل هذه المبادئ إلى مؤسسات مستقرة، وحوار شامل، وانتقال سياسي يضع مصلحة الوطن فوق أي اعتبارات أخرى.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.