بكائية على وطنٍ يموت فيه الفقير… ويجد صحافيّوه وقتًا للدفاع عن الرواتب الفلكية!

حسن عبد الرضي

ابكوا معي السودان… لا دمعةً عابرة، بل بكاءً حارًا بالنحيب والعويل!
ابكوا وطنًا أفقرته الحرب، وأذلّته السلطة، وأكلت مؤسساته رواتب الكبار ومخصصاتهم، بينما يموت أبناؤه على أبواب المستشفيات بحثًا عن سريرٍ في العناية المركزة.
ابكوا وطنًا خدم فيه رجل الدولة أكثر من أربعين عامًا، ثم خرج إلى المعاش دون أن تُسوّى مستحقاته، وحين داهمه المرض لم يجد في مستشفيات الدولة التي خدمها سريرًا يضع عليه جسده المحتضر.
مستشفى بعد مستشفى… ونداء بعد نداء… وسيارة إسعاف تجوب الخرطوم، تحمل إنسانًا تتناقص علاماته الحيوية، ووعيه يتراجع، وضغطه يختل، وأنفاسه تضيق، بينما الوطن العظيم، صاحب الشعارات الكبيرة، لا يجد له سريرًا واحدًا في العناية المركزة!
مواطن معاشي لم يكن يبحث عن قصر، ولا عن وظيفة، ولا عن دولار من دولارات السلطة، ولا عن مرتب بعشرة آلاف دولار!
كان يبحث عن سرير!
سرير واحد فقط!
ولكن السرير لم يكن موجودًا.
وهنا ينبغي أن نقف احترامًا للأخ الدكتور عصام دكين، لا لأنه كتب مقالًا عاديًا، بل لأنه أورد بكائية موجعة، ووضع أمام زملائه في مهنة الصحافة مرآةً قاسية، لعلهم ينظرون فيها إلى ما آل إليه الضمير المهني حين يتحول الصحافي من مساءلة السلطة إلى محامٍ متطوع عنها.
فبينما كان عصام دكين يروي حكاية رجل يموت وهو يبحث عن سرير للعناية المركزة، خرج من يرى أن المشكلة ليست في راتب محافظ بنك السودان الذي يبلغ عشرة آلاف دولار، لأن هناك ــ يا للعجب! ــ مسؤولين آخرين يتقاضون أكثر!
وشكرا الطاهر ساتي الذي “سلخ” ذلك الراقص مع البشير على منصة السقوط، السياسي “الجربندي” حاتم السر الباحث عن السلطة الذي استنكر على الصحافة فضح مرتب تلك المسؤولة غير المسؤولة.
ويا لها من حجة!
ويا لها من فلسفة!
بدل أن نسأل: لماذا يتقاضى هذا المسؤول عشرة آلاف دولار في بلد يموت فيه الناس لعدم وجود سرير عناية مركزة؟
أصبح السؤال عند بعض صحافيي السلطة: ولماذا تهاجمونه وهناك من يتقاضى أكثر؟
وكأن سرقة المال العام تصبح حلالًا إذا وُجد من يسرق أكثر!
وكأن الفقر يُبرَّر بوجود فقرٍ أكبر!
وكأن موت الناس على أبواب المستشفيات يصبح أمرًا عاديًا ما دام مدير مكتب مسؤول سيادي يتقاضى ثلاثة أضعاف راتب المحافظ!
فأي منطق هذا؟
وأي صحافة هذه؟
وأي انحطاطٍ في سلم القيم وصلنا إليه حتى يصبح الدفاع عن الامتيازات الفاحشة هو القضية، بينما المواطن السوداني يبحث عن حقه الأول: أن يعيش!
إن مأساة الصحافة السودانية ليست فقط في ضعفها أمام السلطة، وإنما في ذلك النوع من الصحافيين الذين لا يرون الباطل باطلًا إذا كان مرتديه من جماعتهم، ولا يرون الظلم ظلمًا إذا كان الظالم حليفًا سياسيًا أو أيديولوجيًا.
ولذلك فإن البكاء ليس على المعاشي المرحوم وحده.
نبكي على المعلم الذي لا يُدفع له مرتبه في موعده، والذي لا يتجاوز راتبه ما يعادل بضعة دولارات، بينما راتب مسؤول واحد يمكن أن يعادل رواتب مئات المعلمين.
نبكي على المعلم الذي يحمل مستقبل السودان على كتفيه، ثم يعود إلى منزله مثقلًا بالفقر والديون.
نبكي على المستشفى الحكومي الذي لا يجد سريرًا لإنقاذ مواطن يحتضر، بينما الدولة تجد دائمًا المال للمخصصات والامتيازات والرواتب الدولارية.
نبكي على وطن أصبح فيه موت الفقراء أمرًا عاديًا، لكن السؤال عن راتب مسؤول كبير يصبح جريمة تستوجب أن تهب الأبواق للدفاع والتبرير!
نعم، يا عبد الماجد عبد الحميد ويا عادل الباز، إن الهجوم على راتب محافظ بنك السودان له ما يبرره.
بل إن السؤال عنه واجب.
وإن مساءلة كل مسؤول يتقاضى امتيازات ورواتب فلكية في بلدٍ جائع واجب.
وإن مقارنة راتب مسؤول واحد برواتب مئات المعلمين ليست شعبوية، وإنما هي كشفٌ فاضح لاختلال ميزان العدالة في دولة فقدت بوصلتها.
فماذا نقول لأسرة المعاشي المرحوم؟
هل نقول لهم: اصبروا، فهناك مسؤولون يتقاضون أكثر من المحافظ؟
هل نقول لهم إن عشرة آلاف دولار راتب عادي داخل منظومة الدولة؟
هل نقول لهم إن مدير مكتب مسؤول سيادي يتقاضى ثلاثة أضعاف ذلك؟
وماذا يفيد الميت كل هذا الثراء الذي يدور فوق رأسه؟
ماذا يفيده أن يعرف أن خزائن الدولة قادرة على دفع آلاف الدولارات للكبار، لكنها عاجزة عن توفير سرير عناية مركزة لمواطن أفنى أربعين عامًا من عمره في خدمة السودان؟
ابكوا معي… ابكوا وطنًا أصبحت فيه الأولوية للرواتب قبل الأرواح.
وللامتيازات قبل المستشفيات.
وللمناصب قبل المعلمين.
وللدفاع عن السلطة قبل الدفاع عن الحقيقة.
إن أخطر ما في القصة ليس راتب العشرة آلاف دولار وحده، ولا غياب سرير العناية المركزة وحده، وإنما ذلك الخراب الأخلاقي الذي يجعل بعض حملة الأقلام يقفون في الصف الخطأ، يبررون الامتيازات، ويجادلون بالأرقام، بينما سيارة الإسعاف تحمل مواطنًا من مستشفى إلى مستشفى بحثًا عن سرير ينقذ حياته.
سلامًا على صلاح مرحوم خير الله..
وسلامًا على كل فقير مات لأن الدولة لم تجد له مكانًا للعلاج، بينما وجدت للكبار ما يكفي من الدولارات.
أما نحن، فلا نملك إلا أن نبكي.
نبكي حتى يجف الدمع.
ونعوي حتى يسمع الصم.
ونصرخ في وجه هذا الخراب: أيها السادة… قبل أن تدافعوا عن راتب العشرة آلاف دولار، ابحثوا أولًا عن سريرٍ واحدٍ للفقراء الذين يموتون في بلادهم!
يجب ان يكون البكاء برفع الوعي الى قمته، وليس برفع صوت النحيب.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.