لماذا تعتقد، ولو للحظة، بأن الطين الذي خُلقت منه أعلى قدرًا من الطين الذي خُلق منه الآخرون؟
أيهما أجدى نفعًا لنا كسودانيين: الحوار أم قانون حازم يجرّم العنصرية بكل أشكالها؟
نحن مجتمع عنصري جدًا، ونمارس هذا السلوك قبل تكوين الدولة الحديثة في العالم، في مؤتمر وستفاليا عام 1648م، بالمقولة الشهيرة لأحد وزراء سلطنة سنار ود عدلان، في حربه مع التركية، وقوله: «لا يغرنك انتصارك على الجعليين والشايقية، فنحن الملوك وهم الرعية».
نحن نتعنصر على بعضنا بعضًا قبل قيام دولة إسرائيل عام 1948، وقبل تكوين دولة الإمارات. نحن نمارس هذا السلوك السيئ منذ الثورة المهدية عام 1881م: «أولاد البحر وأولاد الغرب».
نحن نتغنى وننشد العنصرية؛ شعراؤنا يقولون: «نحن أولاد بلد نقعد نقوم على كيفنا، ونحن الفوق رقاب الناس نجرب سيفنا».
نحن نمارس العنصرية بكل أشكالها، جهويًا من حيث الجغرافيا؛ نميّز بعضنا بعضًا من حيث العرق، ومن حيث اللون، ومن حيث المهنة حتى!
هتلر بنى مشروعه على خرافة تفوق العرق الآري فسقط.
وموسوليني على تفوق العرق الإيطالي فسقط.
والتمييز العنصري في جنوب أفريقيا، «الأبارتهايد»، سقط.
والأمويون على أفضلية قريش سقطوا!
والعباسيون على أفضلية الهاشميين فسقوا.
في القرآن الكريم، بشّر الله سبحانه وتعالى بفناء الدولة الأحادية، إن كانت متمثلة في قرية وهي مجتمع واحد: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا﴾.
والدين يبشّر بتطور ونماء المجتمع المتعدد والمتنوع.
نحن، إن قدّمنا نقدًا مسؤولًا للقوى السياسية السودانية، نجدها ذات تكوين يساعد على وصمها بالعنصرية، وأصبح هذا أمرًا لا نقاش فيه.
الحركات المسلحة مصنفة حسب القادة: «تحرير السودان» ننظر لرئيسها؛ إن كان عبدالواحد، معناه حركة فور، ومناوي معناه زغاوة، والتحالف معناه مساليت، والدعم السريع معناه عرب غرب السودان.
وحتى الأحزاب السياسية الكبيرة: حزب الأمة جمهوره من غرب السودان، والحزب الاتحادي من شمال السودان، ومؤتمر البجا معناه بجا، والأورطة الشرقية بني عامر. هذه حقائق!
حتى جهاز الأمن السوداني به شعبة متخصصة في الجهوي والقبلي، والآن يتعاملون مع حرب 15 أبريل، وجزء من إدارة هذه الحرب يأخذ الطابع القبلي.
أبناء التنسيقيات، كل أحد يأخذ قبيلته ومسمى قبيلته، ويقدّم نفسه بهذا المسمى، وينشط في التواصل مع أبناء عشيرته، وإن نجح في استمالة قائد أو أفراد للمجيء والانحياز للجيش، يتم هذا بدوافع وتحريض عنصري!
التاريخ لا يرحم مشاريع التمييز، وقد تُفرض هذه المشاريع بالقوة، لكنها لا تدوم!
نحن لا نحتاج حوارًا لا يحل القضايا. نحن نحتاج تشريعًا وقانونًا يقرّ التعدد والاعتراف بالآخر المختلف وقبوله شريكًا في الوطن وفقًا للقانون، رغم أي اختلاف تاريخي أو معاصر.
نحن نحتاج لتنظيم العيش المشترك بيننا بالقانون، وتجريم من يخرق القانون. وحتى مقولة: «فلان ده عندو ضهر ما بتحاكم»، هي تعبير عنصري، والواسطة سلوك عنصري!
العنصرية متفشية في بلدان غرب أوروبا وأمريكا، لكن القانون الحازم جدًا يمنع هذا السلوك ويجرّمه.
كيف نحارب العنصرية؟
هذه جهود عملنا فيها بمعية أصدقاء وإخوان ورفاق منذ عام 2001، وكانت حلقة النقاش من الشباب: دكتور عباس التجاني، ودكتور عذالدين قمر، وذنون سليمان، ومحمد خاطر.
تُوّج هذا بتكوين مسمى «كردفور» كخطوة أولى، وتكوين سكن جامعي يضم كل الأعراق، ونجحنا في هذا.
عملنا «منزل الكعبة» و«منزل بانت» في زمن كان السكن القبلي ينتشر بكثافة. كان بيت بانت يضم الشمالي باشمهندس عرمان، ومن الوسط صديق طاحونه، ومن جبال النوبة ود الشريف ورشاش، ومن كل مناطق السودان، والعلاقة بين هؤلاء مستمرة حتى الآن…
أوقفوا لجنة الكهول هذه، فهي لا تجدي نفعًا. ضعوا تشريعًا يحارب ثقافة: «أتا من وين في الأهل؟»
ويحارب: «الما عندو ضهر بدقو في بطنو»!
السودانيون أكثر حوجة لمحاربة العنصرية؛ لأنها سبب الحروب منذ قرن ونصف عندنا!
نحن نحتاج أن نعيش معًا بسلام وأمان، على قاعدة المواطنة والقانون.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.