الحق الخاص

صباح محمد الحسن

الإخوان يصرّون على الحرب ليستمر هذا الخطاب الذي لا ينجح إلا إذا وجد مواطنًا مُنهكًا ووعيًا مُشوَّهًا يتملّكه الخوف من المستقبل ويُسيطر عليه إحساس العجز.

فالخطاب الإخواني لا يثمر في بيئة واعية، ولا يعيش إلا في الفراغ.

طيف أول:

يحاذي بخطوته لياقة اللاشيء،

مواقف تكيل بالصاع أحلامنا

قبل أن نسقط في جبّ الأمنيات!!

 

والقيادي في المؤتمر الوطني المحلول، حاج ماجد سوار، قال إن البلاغات والإجراءات التي يملك رئيس مجلس السيادة حق إلغائها في مواجهة قادة “الذراع السياسي للمليشيا” هي تلك المتعلقة بالحق العام فالحق الخاص لا تستطيع أي جهة إلغاءه أو إسقاطه إذ يظل حقاً لأصحابه إلى أن يقول القضاء كلمته

وهذا الخطاب الانتقائي يتجاهل حقيقة أن المليشيا نفسها نالت عفوًا كاملًا، واستقبل البرهان قادتها دون أن يخرج أي قيادي إخواني ليعترض أو يثور على هذا العفو، أو حتى يحرض المواطنين على وجود المليشيا في وسطهم.

فالمفارقة أن الرجل يتحدث عن البلاغات السياسية ضد المدنيين وكأنها قضايا جنائية راسخة، بينما العفو عن المليشيا التي ارتكبت انتهاكات موثقة مرّ بلا ضجيج، وبلا حديث عن حق عام أو حق خاص.

وهذا يكشف أن القانون عندهم ليس معيارًا، بل أداة تُستخدم ضد المدنيين وتُسقط عندما يتعلق الأمر بحلفائهم.

ولماذا العداء تجاه المدنيين أكبر من العداء تجاه الدعم السريع؟

لأن المدنيين، وتحديدًا القوى المدنية الديمقراطية، هم البديل السياسي الوحيد الذي يخشاه الكيزان.

بينما الدعم السريع، مهما تمدّد عسكريًا، لن يحكم السودان سياسيًا، ولن يستطيع تقديم مشروع دولة أو إدارة أو شرعية انتخابية.

وقادة الدعم السريع الذين ارتكبوا هذه الجرائم وعادوا إلى الوطن كالذي زار بيت الله الحرام، لم يرَ فيهم سوار مجرمًا، في الوقت الذي كان يجب أن يتحدث ويرفع شعارات “الحق العام” أو “الحق الخاص” ضدهم. ولم تُفتح بلاغات سياسية في مواجهتهم، ولم تُستخدم لغة التخوين معهم.

لكن ما الذي يكشفه هذا التناقض للكثيرين من الشعب السوداني الذين ما زالت القيادات الإسلامية تمارس عليهم لعبة الخديعة لتجرّهم إلى وجهة غير معلومة؟

فالعداء الذي يوجّهه الكيزان نحو المدنيين ليس عداءً عابرًا، بل خوفٌ سياسي من البديل الذي يمكن أن يُنهي وجودهم. فالمليشيا، مهما تمدّدت، لاتهددهم سياسياً ولذلك نالت العفو واستقبل البرهان قادتها دون أن يخرج إخواني واحد ليعترض. أما المدنيون، فهم الخطر الحقيقي على مشروعهم، ولهذا تُفتح البلاغات ضدهم، وتُرفع الشعارات باسم الشعب زيفاً

فهذه الحرب ليست حرب شعارات، بل حرب سياسية في جوهرها، تُدار ضد البديل الديمقراطي الذي يخشاه الكيزان أكثر من أي مليشيا.

والعبارة التي يرددها الكيزان والبرهان بأن “الحرب لن تنتهي حتى يستسلم الدعم السريع” ليست عبارة عسكرية كما تبدو، بل سياسية بالكامل. فهم لا ينتظرون استسلامًا في الميدان، بل قبولًا سياسيًا يعيدهم إلى الحكم من جديد. ولو فعلها حميدتي لسقط الحق العام، ولأُغلقت البلاغات، ولأُعلن السلام في اليوم التالي، ولأدرك الشعب السوداني أن حقه آخر اهتمامات الكيزان وقيادة الجيش.

وهكذا تكشف الحرب حقيقتها: أنها ليست حرب شعارات وطنية، بل حرب سلطة يريد الكيزان استعادتها بأي ثمن.

إذن نحن لسنا بحاجة لتغيير الخطاب الإخواني الذي درجت عليه هذه القيادات الكيزانية منذ ثلاثين عامًا، والقائم على تخوين المدنيين، واستهداف القوى الديمقراطية، واستخدام الدين والسيادة كغطاء، وتحويل أي نقد إلى عمالة، وصناعة العدو الوهمي، وتبرير الحرب كقدر وطني. هذا الخطاب لن يتغير لأنه جزء من بنيتهم الفكرية.

لكننا في حاجة ماسّة لاستعادة الكثير من العقليات التي يستهدفها هذا الخطاب، فالكوز ينجح خطابه إلا إذا وجد مواطنًا مُنهكًا ووعيًا مُشوَّهًا يتملّكه الخوف من المستقبل ويُسيطر عليه إحساس العجز.

فالخطاب الإخواني لا يثمر في بيئة واعية، ولا يعيش إلا في الفراغ.

فوعي الشعب هو الخطر الحقيقي عليهم، وليس الدعم السريع ولا أي قوة أخرى. فعندما يعمل المدنيون وإعلامهم على عملية إصلاح الوعي الشعبي، يستهدفهم الإخوان تلقائيًا لأنهم يعلمون أن هذه هي المعركة الحقيقية.

والسؤال الذي يأبى التجاهل هل نجح الإخوان في السيطرة على الوعي العام؟

لاشك أنهم لم ينجحوا، والدليل أن الشعب اليوم ينشد السلام، ويدرك أن الحرب ضده في المقام الأول. فحين رأى السودانيون أن الحرب لم تحمِهم، ولم تحفظ دولتهم، ولم توقف الانهيار، وأن العفو يُمنح للمليشيا بينما تُفتح البلاغات ضد المدنيين، أدركوا أن الشعارات التي يرفعها الكيزان ليست إلا غطاءً سياسيًا. ولهذا تحرّك الوعي الشعبي نحو المطالبة بالسلام، ورفض استمرار الحرب، ويعمل الآن يوميًا على إسقاط الخطاب الذي حاولت القيادات الإخوانية فرضه على الناس. وهذا هو “الحق الخاص” الذي لا يعلمه سوار.

 

طيف أخير:

#لا_للحرب

المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك:

الأمم المتحدة وشركاؤها يكثّفون جهود مكافحة الكوليرا بعد الإبلاغ عن 2600 حالة إصابة حتى أغسطس بالسودان.

تقارير لم تكشف عنها وزارة الصحة بالرغم من العدد الكبير للمصابين.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.