مصر.. لماذا تزيد معاناة اللاجئين السودانيين؟

تيسيرالمبارك

لم يعد السؤال عن أوضاع اللاجئين السودانيين في مصر سؤالاً إنسانياً عابراً، ولا مجرد شكوى من إجراءات بيروقراطية قاسية أو تضييق على حركة الفارين من حرب أنهكت بلادهم. الأرقام التي تكشفها تقارير حقوقية عن الوفيات داخل أماكن الاحتجاز والأقسام الشرطية تضع القضية أمام سؤال أكثر خطورة: هل تحولت مصر، بالنسبة لعدد متزايد من اللاجئين السودانيين، من محطة أمان إلى مساحة جديدة للخوف والمعاناة؟

وفق تقرير لمنصة اللاجئين في مصر بعنوان «موت تحت الحراسة»، توفي 24 لاجئاً وطالب لجوء ومهاجراً داخل أماكن الاحتجاز والأقسام الشرطية في مصر خلال الفترة من ديسمبر 2025 إلى يوليو 2026، بينهم 16 سودانياً، أي أن السودانيين يمثلون النسبة الأكبر من الضحايا.

والأكثر إثارة للقلق أن التقرير يقول إن 18 من الضحايا، أي 75%، كانوا مسجلين رسمياً لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أو يحملون وثائق حماية دولية.

هذه ليست مجرد أرقام في تقرير حقوقي. وراء كل رقم إنسان، وأسرة، وقصة هروب من حرب، وقرار باللجوء إلى بلد يفترض أن يوفر له الحد الأدنى من الحماية والأمان.

من جحيم الحرب إلى قسوة الاحتجاز

السوداني الذي يصل إلى مصر لا يأتي بحثاً عن رفاهية. إنه في الغالب يحمل آثار حرب مدمرة، وفقداناً، ونزوحاً، وقلقاً على أسرته ومستقبله.

لكن عندما يصبح اللاجئ المسجل لدى جهة أممية معرضاً للموت داخل مكان احتجاز، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بمخالفة إدارية أو بوضع قانوني؛ بل يصبح سؤالاً عن قيمة الحماية نفسها.

ما معنى أن يحمل لاجئ وثيقة حماية دولية ثم يجد نفسه خلف القضبان؟

وما معنى أن يهرب الإنسان من القصف والموت ليجد نفسه في بيئة احتجاز تنتهي فيها حياة بعض المحتجزين؟

إذا كانت الدولة تملك الحق في تنظيم دخول الأجانب وإقامتهم، فإن هذا الحق لا يمكن أن يتحول إلى رخصة للتعامل مع اللاجئ باعتباره مجرماً لمجرد أنه سوداني أو لأنه لم يستوفِ ورقة أو إجراءً إدارياً.

السودانيون يدفعون الثمن الأكبر

كون 16 من أصل 24 ضحية سودانيين ليس تفصيلاً يمكن المرور عليه.

السودانيون هم إحدى أكبر مجموعات اللاجئين المتضررين من الحرب، ومصر هي إحدى أهم الدول التي اتجه إليها مئات الآلاف منهم بحثاً عن الأمان.

لكن المفارقة القاسية أن الجنسية السودانية، التي يفترض أن تستدعي قدراً أكبر من التفهم في ظل الحرب المستمرة، تظهر في هذه البيانات باعتبارها الجنسية الأكثر حضوراً بين الضحايا.

وهنا ينبغي طرح السؤال بصراحة: لماذا يدفع السودانيون الثمن الأكبر؟

هل السبب يعود إلى ارتفاع أعدادهم مقارنة بغيرهم؟ أم إلى سياسات وإجراءات تستهدفهم بصورة غير متناسبة؟ أم إلى ظروف احتجاز تفتقر إلى الضمانات الكافية؟ أم إلى خليط من كل ذلك؟

هذه أسئلة لا يمكن إسكاتها بعبارات عامة عن «سيادة القانون».

فسيادة القانون لا تعني أن يفقد المحتجز حقه في الحياة، ولا أن تتحول الإجراءات الإدارية إلى عقوبة مفتوحة، ولا أن يصبح اللاجئ بلا صوت خلف أبواب الاحتجاز.

وثيقة الحماية ليست ورقة بلا قيمة

المعلومة الأكثر إثارة للصدمة في تقرير «موت تحت الحراسة» أن ثلاثة أرباع الضحايا كانوا، وفق التقرير، مسجلين لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أو يحملون وثائق حماية دولية.

وهنا تنهار حجة التعامل مع هؤلاء باعتبارهم أشخاصاً مجهولي الوضع.

إن كان اللاجئ مسجلاً، فأين تذهب معلوماته؟

ومن المسؤول عن التأكد من حالته؟

وهل يتم إخطار الجهات المختصة بالحماية الدولية عند احتجازه؟

وهل يتم توفير الرعاية الصحية الضرورية؟

وهل توجد آليات فعالة لمنع وفاة المحتجزين أو للتحقيق المستقل في أسباب الوفاة؟

هذه ليست أسئلة سياسية. إنها أسئلة إنسانية وقانونية في المقام الأول.

مصر مطالبة بإجابات لا بتبريرات

السلطات المصرية مطالبة بالتعامل مع هذه الأرقام بجدية، لا باعتبارها حملة سياسية ضد مصر.

فالرد الطبيعي على ارتفاع الوفيات داخل أماكن الاحتجاز ليس مهاجمة من يطرح الأسئلة، وإنما فتح تحقيقات شفافة ومستقلة، وإعلان أسباب الوفاة، ومراجعة ظروف الاحتجاز، وضمان وصول المحتجزين إلى الرعاية الطبية والمساعدة القانونية والجهات المعنية بالحماية.

أما دفن القضية تحت عناوين الأمن والهجرة غير النظامية، فلن يحل المشكلة.

مصر دولة ذات مؤسسات، وتعرف جيداً أن الأمن لا يتعارض مع احترام حقوق الإنسان، وأن ضبط الحدود لا يبرر إهدار كرامة اللاجئين.

والأهم أن اللاجئ السوداني ليس رقماً في ملف الهجرة.

إنه إنسان جاء من بلد مزقته الحرب.

لا تجعلوا الحرب تمتد خلف الحدود

لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً داخل بلادهم.

قتلوا ونزحوا وجاعوا وفقدوا منازلهم وأعمالهم وأمنهم.

ليس من المقبول أن تتحول الحدود إلى خط فاصل بين حرب داخل السودان ومعاناة أخرى تبدأ فور دخول مصر.

مصر تستطيع أن تكون ملاذاً حقيقياً للسودانيين، لكنها لن تفعل ذلك بالخطابات، وإنما بالسياسات التي تحمي الإنسان قبل أن تحاسب الورقة.

والسؤال الذي ينبغي أن يظل مطروحاً أمام القاهرة هو:

كيف يموت لاجئ تحت الحراسة وهو يحمل وثيقة حماية؟

هذا السؤال لا يحتاج إلى خطاب دبلوماسي طويل.

يحتاج إلى إجابة.

ويحتاج قبل الإجابة إلى تحقيق شفاف، ومحاسبة واضحة، وضمانات حقيقية بألا يتحول الاحتجاز إلى مقبرة للصامتين.

فإذا كان السوداني قد فرّ من الموت في الخرطوم ودارفور والجزيرة وغيرها، فلا ينبغي أن يجد الموت في انتظاره خلف قضبان مكان يفترض أن يحميه.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.