حرب الإخوان في السودان.. إلى أين؟

نورا عثمان

ليس السؤال اليوم: متى تنتهي الحرب في السودان؟ السؤال الأكثر إزعاجاً هو: من الذي لا يريد لها أن تنتهي؟ كلما طال أمد الحرب، اتضح أن المعركة لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين الجيش والدعم السريع. خلف البنادق والمدافع تقف صراعات أعمق على السلطة، وعلى شكل الدولة، وعلى مستقبل السودان بعد إسكات آخر رصاصة.

وفي قلب هذه المعادلة يقف سؤال الإخوان المسلمين.

فالحركة الإسلامية السودانية التي فقدت السلطة بعد ثورة ديسمبر لم تختفِ من المشهد. على العكس، يبدو أن الحرب فتحت أمامها باباً لإعادة ترتيب الصفوف واستعادة النفوذ، عبر خطاب يخلط بين الدولة والجيش، وبين حماية الوطن وحماية المشروع السياسي.

الحرب بالنسبة إلى الإسلاميين ليست بالضرورة نهاية الطريق؛ قد تكون، بالنسبة لبعضهم، فرصة للعودة.

وهنا تكمن الخطورة.

فالذين حكموا السودان ثلاثين عاماً يعرفون جيداً أن عودة الديمقراطية تعني نهاية امتيازاتهم السياسية، وفتح ملفات الماضي، ومراجعة شبكة المصالح التي تشكلت طوال سنوات حكم الإنقاذ.

ولهذا يصبح السلام بالنسبة إلى أصحاب مشروع الحرب السياسية أكثر كلفة من استمرار الحرب نفسها.

فالسلام يعني عودة السياسة.

والسياسة تعني عودة المدنيين.

وعودة المدنيين تعني السؤال الكبير:

من يحكم السودان؟

وهذا السؤال تحديداً هو الذي ظل غائباً عن كثير من خطابات الحرب.

يقال للسودانيين: “نحن نقاتل من أجل الدولة”.

لكن أي دولة؟

دولة المواطنة؟

أم دولة التنظيم؟

دولة المؤسسات؟

أم دولة الولاءات؟

دولة الجيش المهني؟

أم دولة تتداخل فيها المؤسسة العسكرية مع القوى السياسية التي تبحث عن حماية مشروعها؟

البرهان والحوار المتأخر ثم يأتي الحديث عن الحوار. “تعالوا الحوار”.

لكن الحوار ليس كلمة سحرية تمحو سنوات من الدماء والدمار.

ولا يكفي أن يقال للمدنيين إن بعض بلاغات الرأي السياسي قد شُطبت، ثم يُطلب منهم العودة إلى طاولة حوار لا يعرفون شروطها ولا نتائجها.

السودانيون لا يحتاجون إلى حوار لإعادة إنتاج السلطة نفسها.

يحتاجون إلى سلام حقيقي، وعدالة حقيقية، وانتقال مدني حقيقي.

أما أن تتحول الحرب إلى وسيلة لفرض أمر واقع، ثم يتحول الحوار إلى أداة لتجميل هذا الأمر الواقع، فذلك ليس حواراً.

إنه إعادة تدوير للأزمة. الإخوان ليسوا السودان وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة: الإخوان المسلمون ليسوا السودان. كما أن الجيش ليس السودان.

والدعم السريع ليس السودان. ولا أي تنظيم سياسي أو عسكري يملك حق اختطاف بلد كامل وتحويله إلى ساحة لمعاركه الخاصة.

السودان أكبر من التنظيمات، وأكبر من الجنرالات، وأكبر من الميليشيات.

لكن المشكلة أن المواطن السوداني هو الذي يدفع فاتورة الصراع. هو الذي نزح. هو الذي جاع. هو الذي فقد منزله. هو الذي فقد ابنه وأخاه وأباه. وهو الذي ينتظر نهاية الحرب بينما يتنافس السياسيون والمسلحون على مستقبل السلطة.

إلى أين؟

إذا كان مشروع الإسلاميين هو العودة إلى السلطة عبر بوابة الحرب، فإن السودان أمام خطر أكبر من استمرار القتال.

الخطر هو أن تنتهي الحرب، لكن لا ينتهي مشروع الحرب.

أن تتوقف المدافع، بينما تبقى عقلية الإقصاء والتخوين والتعبئة.

أن يعود السودان إلى نقطة الصفر، ولكن بوجوه جديدة وشعارات جديدة.

وهذا هو السيناريو الذي يجب أن يرفضه السودانيون.

لا يمكن بناء دولة ديمقراطية بإعادة إنتاج القوى التي عطلت الديمقراطية.

ولا يمكن بناء سلام دائم بمنح السلاح حق تحديد مستقبل السياسة.

ولا يمكن معالجة جرح السودان بإعادة إنتاج الأسباب التي فتحته.

المطلوب ليس الانتقام من الإسلاميين، وإنما منع أي جماعة سياسية من احتكار الدولة مرة أخرى.

المطلوب جيش مهني لا يعمل لحساب حزب. وأحزاب مدنية لا تستقوي بالسلاح. ودولة قانون لا تحمي تنظيماً ولا تنتقم من خصومه.

فالسودان لا يحتاج إلى إخوان يحكمون باسم الدين، ولا عسكريين يحكمون باسم الدولة، ولا ميليشيات تحكم باسم القوة.

السودان يحتاج ببساطة إلى أن يعود السودانيون أنفسهم أصحاب القرار.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يريد الإخوان إيقاف الحرب؟

السؤال هو: ماذا يريدون من السودان بعد الحرب؟ وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.