حين تُقصف شاحنات الغذاء.. من يحمي الإنسان في السودان؟

تيسير المبارك

 

في السودان، لم يعد الموت يأتي إلى المدنيين من أبواب المعارك وحدها. أحياناً يأتي الموت محمولاً في السماء، ويستهدف حتى الشاحنات التي تحمل الغذاء إلى الجائعين. أعلن برنامج الأغذية العالمي أن هجوماً جوياً استهدف شاحنتين تابعتين له في 30 أغسطس خارج مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان، ما أدى إلى تدمير أكثر من 50 طناً مترياً من المواد الغذائية كانت في طريقها إلى مدينة كادوقلي. أي عقل يمكن أن يبرر قصف شاحنات تحمل طعاماً؟

وأي حرب هذه التي أصبحت فيها لقمة الجائع هدفاً عسكرياً؟ السودان لا يحتاج إلى مزيد من الخطب التي تتحدث عن الانتصار، ولا إلى بيانات عسكرية تتباهى بتقدم هنا أو تراجع هناك. السودان يحتاج قبل كل شيء إلى إنقاذ الإنسان. فالإنسان الذي ينام بلا طعام لا تعنيه خرائط السيطرة العسكرية. والطفل الذي ينتظر وجبة غذاء لا يفهم معنى الانتصار العسكري. والمريض الذي يبحث عن دواء لا يستطيع أن يأكل الشعارات السياسية.

الجوع ليس طرفاً في الحرب، حين تُدمَّر شحنة غذائية، فإن الخسارة لا تتوقف عند الشاحنتين أو عند قيمة المواد التي كانت تحملها. الخسارة الحقيقية تقع على آلاف المدنيين الذين كانوا ينتظرون وصول ذلك الغذاء. الحرب السودانية طالت أكثر مما يحتمل البشر. ملايين النازحين واللاجئين يعيشون على المساعدات، ومناطق كاملة أصبحت تعتمد على ما تستطيع المنظمات الإنسانية إيصاله إليها. ولهذا فإن استهداف خطوط الإغاثة لا يعني فقط تدمير مواد غذائية، بل يعني توسيع دائرة الجوع والخوف والموت. ومن هنا يجب أن يكون السؤال واضحاً: من يحمي العاملين في المجال الإنساني؟ ومن يحمي الغذاء؟ ومن يحمي حق السودانيين في البقاء على قيد الحياة؟

لقد حاول أطراف الحرب تحويل كل شيء إلى جزء من المعركة: المدن، المطارات، الطرق، المستشفيات، الأسواق، وحتى حياة المواطنين. لكن هناك خطوطاً يجب ألا تُمس. الغذاء ليس سلاحاً. الدواء ليس سلاحاً. الطفل ليس هدفاً. النازح ليس عدواً. والعامل الإنساني ليس مقاتلاً.

إن احترام هذه المبادئ ليس ترفاً أخلاقياً، وإنما ضرورة لحماية ما تبقى من المجتمع السوداني. وإذا كان طرفا الحرب يعتقدان أن تحقيق أهدافهما السياسية والعسكرية يسمح لهما بتجاهل معاناة المدنيين، فإنهما لا يخسران فقط المعركة الأخلاقية، بل يدفعان البلاد نحو كارثة أعمق يصعب الخروج منها. المفارقة المؤلمة أن السودان بلد غني بالموارد والأراضي الزراعية والمياه، ومع ذلك أصبح ملايين السودانيين يعتمدون على المساعدات الغذائية.

هذه ليست مأساة طبيعية. إنها نتيجة مباشرة لحرب أوقفت الإنتاج، ودمرت البنية التحتية، وقطعت الطرق، وأرهقت الاقتصاد، وشردت ملايين الأسر. ولهذا فإن الحديث عن معالجة الأزمة الإنسانية دون الحديث عن إيقاف الحرب يشبه محاولة علاج النزيف بينما يواصل الجرح نزف الدم. المطلوب اليوم ليس مزيداً من السلاح، وإنما فتح الطرق أمام الغذاء والدواء، وتأمين الممرات الإنسانية، وحماية المدنيين، ثم الانتقال بصورة عاجلة إلى وقف إطلاق النار والتفاوض لإنهاء الحرب.

لقد فقد السودانيون خلال هذه الحرب الكثير: البيوت، الوظائف، المدارس، المستشفيات، الأمن، والطمأنينة. لكن أخطر ما يمكن أن نخسره هو الإحساس بقيمة الإنسان نفسه. عندما يصبح موت المدني خبراً عادياً، وقصف شاحنة الغذاء حادثاً عابراً، وجوع الأطفال رقماً في تقرير، نكون قد وصلنا إلى مرحلة خطيرة لا تهدد الحاضر فقط، بل تهدد مستقبل السودان كله. السودان لن يُبنى على أنقاض الجوع والخوف. ولن تكون هناك دولة قوية إذا كان المواطن فيها يبحث عن كسرة خبز وسط ركام الحرب. ولن يكون هناك نصر حقيقي إذا كان ثمنه موت المدنيين وتجويعهم وتشريدهم. أعيدوا للإنسان السوداني حقه في الحياة أولاً.

أوقفوا القصف. أمّنوا طرق الإغاثة. افتحوا الممرات الإنسانية. احموا العاملين في المجال الإنساني. وأوقفوا هذه الحرب التي جعلت المواطن يدفع ثمن معركة لم يخترها. فالسودان لا يحتاج إلى منتصر جديد فوق أنقاضه؛ السودان يحتاج إلى أن يبقى شعبه حياً.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.