في السياسة، لا شيء يحدث بالصدفة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحوار يُطرح في بلد أنهكته الحرب، وتتنازع فيه الجيوش والنخب والتنظيمات على ما تبقى من الدولة. ولهذا فإن أخطر ما في بعض التحركات المرتبطة بالحوار السوداني ليس مجرد الدعوة إلى الجلوس حول طاولة واحدة، وإنما محاولة تقديم مشروع سياسي محسوب على تيار بعينه في صورة مبادرة وطنية مستقلة. هنا تحديداً ينبغي أن نتوقف طويلاً. فإذا كان الهدف الحقيقي هو إضفاء مشروعية شعبية على مبادرة سياسية، عبر واجهات وشخصيات لا تظهر للرأي العام باعتبارها جزءاً من التنظيمات السياسية القديمة، فإننا أمام تكتيك معروف: تغيير الواجهة، مع الإبقاء على المشروع. المشكلة ليست في أن يكون للإسلاميين رأي سياسي. هذا حق سياسي، ما دام العمل سلمياً وملتزماً بالقانون. المشكلة في محاولة العودة إلى المشهد من الأبواب الخلفية بعد أن أصبح الظهور المباشر باسم المؤتمر الوطني المحلول والحركة الإسلامية مكلفاً سياسياً وقانونياً وأخلاقياً.
ليس من الصعب تقديم مجموعة من الشخصيات باعتبارها «مستقلة» أو «وطنية»، ثم منحها مهمة التحدث باسم الحوار الشامل. لكن الاستقلال السياسي لا تحدده البيانات ولا الألقاب. السؤال الحقيقي هو: من يختار هذه الشخصيات؟ من يمول تحركاتها؟ من يضع أجندتها؟ ومن يكتب أوراقها؟ إذا كانت هناك قوى سياسية منظمة تقف خلف المبادرة، فمن حق السودانيين أن يعرفوا ذلك بوضوح. أما أن تختفي القوى صاحبة المصلحة خلف ستار «المستقلين» ثم تعود إلى المشهد عبر بوابة الحوار، فهذه ليست شفافية سياسية، وإنما محاولة لإعادة هندسة الصورة أمام الرأي العام.
والأخطر أن يتحول شعار «الحوار الشامل» إلى غطاء لإعادة تأهيل قوى سياسية لم تحسم بعد علاقتها بإرث النظام السابق والحرب. الهدف الأكثر وضوحاً من هذه التكتيكات ـ إذا صحت المعطيات المتداولة حولها ـ هو التملص من أي اعتراض محلي أو دولي على المشاركة المباشرة للمؤتمر الوطني المحلول. فبدلاً من أن يظهر الحزب باسمه، تظهر شخصيات جديدة. وبدلاً من أن تتحدث الحركة الإسلامية عن عودتها السياسية، تتحدث «شخصيات وطنية» عن التعددية. وبدلاً من الدفاع المباشر عن إرث النظام السابق، يُعاد تقديم المسألة تحت عنوان «عدم الإقصاء». وهكذا ينتقل النقاش تدريجياً من سؤال: ماذا فعل النظام السابق؟ إلى سؤال آخر: لماذا تمنعون تياراً سياسياً من المشاركة؟ وهذه نقلة سياسية شديدة الذكاء.
لكنها لا تعني بالضرورة أنها عادلة أو مقبولة. هناك فرق جوهري يجب ألا يضيع وسط الضجيج السياسي. لا يجوز تحويل الانتماء السياسي إلى جريمة جماعية، لكن لا يجوز أيضاً تحويل الانتماء السياسي إلى حصانة جماعية. من يريد العمل السياسي مستقبلاً، فليطرح مشروعه أمام الشعب. لكن من تثبت مسؤوليته عن جرائم أو انتهاكات، فمكانه أمام القضاء، وليس خلف طاولة الحوار. ومن هنا فإن العدالة يجب ألا تكون أداة لتصفية الخصوم، لكنها في الوقت ذاته لا ينبغي أن تتحول إلى صفقة سياسية يتم بموجبها إغلاق ملفات الانتهاكات مقابل إعادة توزيع السلطة. السودانيون لا يحتاجون إلى «مصالحة» تمحو الذاكرة، ولا إلى «حوار» يدفن المسؤولية. هم يحتاجون إلى عدالة ومصالحة سياسية واجتماعية حقيقية.
قد يقول البعض: لماذا كل هذا التركيز على الإسلاميين؟ والإجابة بسيطة: لأن السودان عانى لعقود من تجربة اختلط فيها التنظيم السياسي بالدولة، وتحولت مؤسسات عامة إلى ساحات نفوذ سياسي، وانتهى الأمر بانقلاب على الانتقال الديمقراطي ثم حرب مدمرة. لكن القاعدة يجب أن تكون واحدة على الجميع. لا عودة للحزب الواحد. لا وصاية عسكرية على السياسة. لا تنظيم سري داخل مؤسسات الدولة. لا مليشيا لحماية حزب. ولا حزب يستخدم الدولة والجيش والأمن لتحقيق مشروعه السياسي. هذه ليست شروطاً ضد الإسلاميين وحدهم؛ إنها شروط لحماية السودان من تكرار تجربة الاستبداد أياً كان مرتكبها.
أن تنتهي الحرب، ثم يجد السودانيون أنفسهم أمام المشهد القديم نفسه، لكن بوجوه جديدة. أن تُرفع لافتة «الحوار الوطني»، وتجلس تحتها قوى الحرب، ورموز النظام السابق، وشخصيات مدنية، ثم يجري الاتفاق على تقاسم السلطة، بينما تُترك جذور الأزمة كما هي. هذا ليس انتقالاً ديمقراطياً. إنه إعادة تدوير للأزمة. والشعب السوداني دفع ثمناً أكبر من أن يسمح بتكرار التجربة.
المسؤولية الآن لا تقع على طرف واحد. القوى المدنية والسياسية مطالبة بأن تضع قواعد واضحة لأي عملية حوار: شفافية كاملة في المشاركين، إعلان مصادر التمويل، وضوح في الأجندة، استقلال عن أطراف الحرب، عدم استخدام الشخصيات المستقلة كواجهات، وربط أي مشاركة سياسية مستقبلية بالالتزام بالديمقراطية والقانون والعدالة. أما محاولة تمرير قوى بعينها من خلال واجهات رمادية، فهي لن تنجح في خداع مجتمع يعرف جيداً تاريخ التنظيمات السياسية في بلاده. السودان ليس في حاجة إلى حوار يعيد إنتاج الماضي. السودان في حاجة إلى حوار يؤسس للمستقبل.
إذا أراد الإسلاميون العودة إلى السياسة، فليعودوا من الباب الأمامي. ليعلنوا أسماءهم، وبرامجهم، ومواقفهم، وليخوضوا الانتخابات عندما تأتي لحظتها. لا حاجة إلى الاختباء خلف «مستقلين»، ولا إلى استعارة عناوين وطنية، ولا إلى صناعة واجهات سياسية جديدة. وفي المقابل، على القوى المدنية ألا تخاف من المنافسة السياسية، بل أن تواجهها بالديمقراطية. فالطريق الوحيد الآمن للسودان ليس إقصاء تيار إلى الأبد، ولا إعادة تأهيله بصفقة من خلف الستار. الطريق هو دولة القانون، والعدالة، والمواطنة، والانتخابات الحرة.
أما تحويل الحوار إلى جسر للالتفاف على الرفض الشعبي أو السياسي للمؤتمر الوطني المحلول، فسيعني ببساطة أن السودان لم يتعلم شيئاً من ماضيه. تغيير الواجهة لا يغيّر المشروع.. والشعب السوداني يستحق أن يرى من يقف خلف الستار قبل أن يطلب منه أن يصفق للمشهد.
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.