شرق السودان: فوضى السلاح والعسكرة أم حلمٌ ببناء الدولة؟

صالح عمار

 

قضية توزيع السلاح على المدنيين وانتشار الحركات المسلحة في مختلف أنحاء السودان ومن بينها الشرق تمثل خطراً بالغاً دون شك، وهي تستحق نقاشاً عميقاً وهادئاً، خاصة أنها ستكون إحدى أبرز ملامح ومخاطر المرحلة المقبلة وفق سيناريو استمرار الحرب أو حتى في حال الوصول إلى هدن واتفاقات.

حجر الزاوية في هذا الأمر أننا لم نصل إلى هذا الواقع بين يومٍ وليلة، بل عبر مسارٍ متدرّج استمر قرابة أربعين عاماً، إلى أن وجد فرصته الكبرى للانفجار عقب حرب 15 أبريل.

دخلت ثقافة الميليشيات وتسليح المدنيين في الشرق برعاية الدولة مطلع تسعينيات القرن الماضي عند تأسيس مليشيات “الدفاع الشعبي” و”الشرطة الشعبية” وغيرها، وتم إجبار الطلاب والموظفين وقطاعات مدنية واسعة على الالتحاق بهذه التشكيلات.

ومنذ منتصف التسعينيات منح الصراع بين سلطة الإنقاذ وقوات التجمع الوطني الديمقراطي المناخ الملائم لانضمام أعداد كبيرة من المدنيين إلى قوات الطرفين، كما أُجبر بعض نظار القبائل على تأسيس تشكيلات عسكرية مساندة للقوى الحكومية. وإلى تلك المرحلة تعود جذور بعض الحركات المسلحة الموجودة حالياً.

وبعد سقوط نظام الإنقاذ، وتعمد الأجهزة الأمنية نشر الفوضى وتحريض القبائل ضد بعضها لإسقاط السلطة المدنية (2019–2021)، نشأت مجموعات مسلحة داخل الأحياء في بورتسودان وكسلا، ومنها أيضاً تشكّلت نواة عدد من الحركات الحالية.

وبهذا فقد مهّدت عقود من تطبيع فكرة العسكرة والتشكيلات خارج القوات النظامية الطريق للانفجار النوعي والاندفاع الكبير نحو التسليح بعد اندلاع حرب 15 أبريل 2023.

هل التسليح خارج القانون أم بموافقة السلطة؟

النقطة الجوهرية الثانية التي ينبغي التوقف عندها مطولاً في واقع اليوم هي: هل التسليح يتم خارج القانون أم بموافقة السلطة؟ وهل الحركات متمردة على سلطة الدولة، أم أنها تعمل بموافقتها؟

الإجابة المتفق عليها أنه لا جدال في أن كل ما جرى تم بعلم وموافقة ورعاية — بل وبطلب مباشر — من السلطة. الأدلة كثيرة، ويكفي الإشارة إلى خطابين للفريق عبد الفتاح البرهان في شرق السودان، في منطقتي جبيت وأم القرى (حلفا الجديدة).

ففي جبيت بتاريخ 5 يناير 2024 قال البرهان مخاطباً الجماهير:

“أي زول في منطقته نحن نمكنه من أن يدافع عن نفسه، ولهذا نرحّب بالمقاومة، وأي سلاح عندنا حندّيه ليهم، وكان عندهم سلاح يطلعوه”.

وفي حلفا الجديدة بتاريخ 23 أكتوبر 2024 قال:

“أي زول قادر يشيل السلاح نسلّحو… في الصباغ قبل شوية طلبوا سلاح أديناه ليهم، إنتو هسي طلبتو سلاح نديكم ليه”.

وبما أن البرهان رأس السلطة وقائد القوات المسلحة، فإن كل الأجهزة العسكرية والمدنية تتحرك لإنجاح هذه الاستراتيجية، أي تسليح المواطنين، وما يستتبعه ذلك من تأسيس تشكيلات عسكرية من أشخاص ذوي خلفية مدنية.

أما الحركات التي تلقت تدريبها في إرتريا، فمن المعروف أن ذلك جرى بموافقة أو علم الأجهزة العسكرية التابعة للبرهان وفي إطار تحالفه القوي مع أسمرا منذ بداية الحرب. ولا يعني هذا بالضرورة وجود اتفاق مباشر بين تلك الحركات وسلطة البرهان، لكنه تم في كل الأحوال بموافقتها الكاملة.

ولذلك، ليس من الإنصاف الإشارة — بحسن نية أو غير ذلك — إلى القبائل والمجتمعات باعتبارها مسؤولة عن نشأة الحركات المسلحة في الشرق وانتشار السلاح، أو ربط أسماء القبائل بالحركات. فأغلب، بل جميع، نظار القبائل لم تتم مشاورتهم عند تأسيس هذه التشكيلات.

ومجتمعات الشرق، ببنيتها المؤسسية وقادتها، ليست مسؤولة عن التسليح ولا عن إنشاء تلك الحركات. فهذه مسؤولية السلطة، والبرهان في مقدمتها، باعتبار أن مشروعية أي سلطة تنبع أولاً من احتكار أدوات العنف وتوفير الأمن؛ وإذا فشلت في هذه المهمة فالأجدر بها المغادرة الفورية.

إن الأشخاص والمجموعات من الشرق الذين استجابوا لنداء البرهان تقع عليهم، من الناحية القانونية، مسؤولية من الدرجة الثانية تتمثل في الشراكة. أما مسؤولية الفاعل الأصلي للجريمة، وهي المسؤولية من الدرجة الأولى، فيتحملها رأس السلطة الذي بثّ فيهم الخوف، وأبلغهم صراحةً بأنه غير قادر على حمايتهم، وأن حياتهم وأموالهم وأعراضهم ستكون في خطر إذا لم يتسلحوا. وقد استجاب بعضهم بالفعل، فيما سيستجيب الآخرون آجلاً أم عاجلاً إذا استمر الوضع على ما هو عليه.

يمكن تقسيم الحركات المسلحة والمليشيات الموجودة في الشرق إلى ثلاث أو أربع فئات:

الأولى الخاضعة للحركة الاسلامية بقيادة علي كرتي، والثانية ما يعرف بـ “القوات المشتركة”، والثالثة التي تركز على الشرق. ويمكن اعتبار ما يُسمّى بقوات درع السودان التي يقودها أبو عاقلة كيكل قسماً رابعاً، فهي تتشابه مع حركات الشرق في وجود مقاتلين من أبناء الإقليم داخلها لكنها تمتلك امتدادات قوية في وسط السودان ونشأت في سياق مختلف.

لقد نجحت مليشيات الحركة الإسلامية في تسويق خدعة إستراتيجية مفادها وضع حركات الشرق في الواجهة والتركيز الإعلامي عليها، وكأنها القوى المسلحة الوحيدة أو الرئيسية الموجودة في الشرق، بينما الواقع على الأرض غير ذلك تماماً.

وتأخذ المليشيات الإرهابية التي يقودها كلا من علي كرتي واحمد هارون في الشرق أشكالاً متعددة، من بينها تشكيلات مثل مجموعات العمل العدائي والبراؤون والمقاومة الشعبية. ومن خلال شبكتها المنظمة والممولة جيداً استطاعت هذه المليشيات السيطرة على كل تشكيلات الاستنفار والقوى العسكرية غير النظامية التي ظهرت بعد اندلاع الحرب.

وهذه المليشيات هي الأخطر والأكثر تأثيراً، لأنها تمتلك أيديولوجيا ومشروعاً للسيطرة على السلطة، وتحظى بدعم أفراد منتشرون داخل مفاصل الأجهزة العسكرية، كما أعادت انتشارها داخل المؤسسات المدنية بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021. وبينما تنشغل القوات المسلحة بالقتال، فإن أفراد مليشيات علي كرتي في الشرق يعملون على السيطرة على السلطة وإحلال مليشياتهم محل القوات المسلحة، والسيطرة على مؤسسات الخدمة المدنية والاقتصاد.

ولهذا ينصبّ تركيزهم على اقتناء السلاح، والتجنيد، والسيطرة على المؤسسات المدنية والمناطق الحيوية والنشاط الاقتصادي، وتصفية خصومهم أو منعهم من الحركة — وفي مقدمتهم التيار المدني. كما أن موارد الشرق وجهاز الدولة في الاقليم باتت هدفاً أساسياً لهم بعد هروبهم من الخرطوم.

و هذه المليشيات التي يقودها علي كرتي هي الأخطر لأنها تنخرط في القتال في الأقاليم الأخرى، وتحاول جرّ أهل الشرق للحرب بكل الوسائل، وتهدد استقرار الإقليم، وتوفر الذرائع لنقل الحرب إليه. وهي مليشيات بالغة الخطورة لأنها تحمل أيديولوجيا عابرة للحدود، وتتحالف مع بعض الدول، مما ينتهك مفهوم الدولة وسيادتها ويثير مخاوف دول أخرى ويمنحها المبررات للتدخل.

وقد أثبتت التجارب التاريخية في السودان استحالة الوصول إلى تسويات طويلة الأجل مع هذه المجموعات، لأنها لا تستطيع العيش في أجواء السلام والديمقراطية. والعقل المركزي الذي يحرّكها لا يزال مشدوداً إلى شعارها التاريخي: فلترق منهم دماء… أو ترق منا الدماء… أو ترق كل الدماء. وهي المسؤول الأول عن ما وصل إليه حال البلاد.

وقد وضع الفريق شمس الدين كباشي، نائب القائد العام للقوات المسلحة، يده على الجرح عندما قال أمام جنود القوات المسلحة في القضارف في مارس 2024: “إن معسكرات المقاومة الشعبية يجب ألا تُستغل لأغراض سياسية، وأن من يحمل لافتة سياسية يجب ألا يدخل معسكرات الجيش”. وأضاف: “يجب جمع السلاح الذي لا يقع تحت إشراف القوات المسلحة فوراً”.[1]

كما وجّه الفريق البرهان تحذيرات قوية للمؤتمر الوطني في نوفمبر 2022 قائلاً: “حذّرنا الإسلاميين لأنهم بدأوا ينخرون في الجيش، ونقول لهم اذهبوا بعيداً، لن تأتوا عبر الجيش لتحكموا”.[2]

لكن أقوال قادة القوات المسلحة لا تنعكس على الواقع، حيث تتزايد سلطة “الملكية” من منظومة مليشيات المؤتمر الوطني على حساب القوات المسلحة، التي فقدت وتفقد تأييد قطاعات واسعة من السودانيين ومن أهل الشرق لهذا السبب. ولن تحظى القوات المسلحة بتأييد شعبي حقيقي ولا بدعم إقليمي أو دولي ما دامت أسيرة علاقتها بمليشيات علي كرتي العنصرية، ولن تستعيد مكانتها إلا إذا اعتمدت على الشعب كحاضنة سياسية وحيدة. وإذا استمر تمدد هذه المليشيات الحالي عبر التسليح والمليشيات، فليس من المستبعد أن يستيقظ الجيش يوماً ليجد أن مقراته سقطت تحت يد المليشيات الإرهابية المتطرفة.

ثانياً: القوات المشتركة

أما الضلع الثاني في تشكيل الحركات المسلحة بالشرق فهي “المشتركة”، والتي نجحت في تجنيد أعداد مقدرة من شباب ولايتي القضارف وكسلا والدفع بهم إلى جبهات القتال خارج الإقليم.

تستغل هذه الحركات التهديد الامني الذي يشعر به الشباب والوضع الاقتصادي المتدهور، وتشعل نيران المرارات المتجذرة في الصراع الاجتماعي بدارفور. إن إخراج هؤلاء الشباب من الشرق وإرسالهم إلى جحيم الحرب، بما يعنيه ذلك من فقدان الأرواح والمستقبل، يُعد جريمة كبرى يجب عدم السكوت عليها. فهؤلاء الشباب أبناء الشرق، ولدوا او عاشوا فيه، ومن حقهم العيش بسلام بين أسرهم، لا أن يُزج بهم في صراعات دموية. كما تمتلك حركات المشتركة حضوراً قوياً في النشاط الاقتصادي الطفيلي ولها تمثيل سياسي مؤثر في السلطة.

ثالثاً: الحركات المسلحة المحلية في الشرق

أما الضلع الثالث فيتمثل في الحركات المسلحة المنطلقة من المنطقة الحدودية مع إرتريا أو مناطق اخرى في الإقليم. وهي مجموعات يتنوع خطابها بين من يؤيد القوات المسلحة ويزعم الانخراط في الحرب ومنها من اعلن الحياد. ولكن يجمع بينها جميعا التركيز على السياق المحلي للاقليم.

يتجاوز عدد هذه المجموعات العشرة، وهي أقل خطورة حالياً من مليشيات علي كرتي والمشتركة لعدة اسباب اولها واهمها أنها لا تشارك في المعارك على الأرض، حتى لو زعمت بعضُها ذلك إعلامياً. وعدد أفرادها اقل وتسليحهم محدود. ومعظم هذه الحركات تبحث عن المشاركة في السلطة وهو ما لم يتحقق، كما أنها تحاول جاهدة الحصول على موارد للتمويل لكنها تواجه صعوبات ولم تحقق اختراقات حقيقية.

ورغم أنها الأضعف من حيث التسليح والعدد والتمويل مقارنة بمليشيات كرتي والمشتركة، فإن حركات الشرق تحظى بتغطية إعلامية واهتمام أكبر. وجزء من هذا يعود إلى نشاطها السياسي وظهورها الاعلامي، لكن قناعتي أن كثيراً من هذه التغطيات المكثفة منذ سنوات هو عمل مقصود ومن خبث حركة كرتي التي ظلت تنخر في جسد الدولة والمجتمع وتريد فعل ذلك والاستمرار فيه بعيداً عن الأضواء، بينما يُسلَّط الاعلام على الآخرين الذين يقفون فعلياً على هامش المعادلة وابرازهم كانما هم الفاعلون الحقيقيون الذين يجب التركيز عليهم.

وهذه المقارنة بين المجموعات المسلحة الثلاث لا تعني أن حركات الشرق لا تشكل خطراً — فوجود السلاح بحد ذاته خطر لا يحتاج إلى دليل — وسنتناول ذلك في المقال المقبل. لكن ما نود التأكيد عليه هو أن الخطر الأكبر اليوم يأتي من مليشيات علي كرتي الدموية والعابرة للحدود.

الهوامش:

خبر بعنوان (الفريق شمس الدين كباشي: المقاومة الشعبية ستكون الخطر القادم على السودان)، مارس 28, 2024 صحيفة (التغيير) .

خبر بعنوان (البرهان: الإسلاميون بدأوا ينخرون في الجيش)

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.