تتكشف معطيات خطيرة تسلط الضوء على التحولات الجسيمة في الصراع السوداني الدامي؛ حيث تشير الاستخبارات المسربة التي كشفت عنها صحيفة «نيويورك تايمز» إلى لجوء الجيش السوداني إلى تطوير وإنتاج ذخائر كيميائية قائمة على غاز الكلور واستخدامها ضد قوات الدعم السريع. لم تعد المسألة مجرد حرب شاقة بين فصيلين عسكريين على السلطة والنفوذ، بل تحولت إلى نهج يعكس استهانة صريحة بحياة المدنيين وسلامتهم من أجل تحقيق انتصار ميداني مهما بلغت أثمانه.
الاستهانة بحياة المواطنين تحكم العقيدة القتالية
تكمن الخاطرة الأكثر إيلاماً في هذا الملف في الكيفية التي جرى بها تحويل الإغاثة الإنسانية والاحتياجات الأساسية للسكان إلى أداة في معركة البقاء العسكري. إن استخدام غاز الكلور — المخصص في الأصل لمحطات معالجة المياه ومكافحة الأوبئة كالكوليرا — وتحويله إلى قنابل متفجرة في حظائر الطيران، يمثل ذروة الاستهانة بأرواح المواطنين المعرضين أساساً لخطر الكوارث الصحية والجوع.
حينما يسعى طرف إلى التكتم على أفعاله بدلاً من مراعاة القواعد الدولية وحماية المدنيين من الشظايا والغازات السامة، يصبح المواطن السوداني مجرد رقم جانبي في معادلة الصراع. إن إسقاط نحو 300 ذخيرة كيميائية أو اختبارها في البيئات المفتوحة دون اعتبار لمدى انتشار الغاز السام يدل على أن السلامة العامة تقع في أدنى سلم أولويات القيادة الحالية.
عقدة “النصر بأي ثمن”
تظهر التفاصيل التسلسلية لإدارة هذا المشروع — بدءاً من مقترحات الميدان لاستعادة السيطرة على العاصمة الخرطوم، مروراً بالاختبارات السرية في الصحراء، ووصولاً إلى التوجيه بـ “إزالة جميع الآثار” عقب التسريبات الدولية — أن العقيدة السياسية والعسكرية باتت محكومة بمبدأ النصر بأي ثمن.
يتغاضى هذا التفكير عن حقيقة حاسمة: السلاح الذي يُفترض به حماية حدود الوطن وكيانه لا يمكن أن يُستبدل بأسلحة محرمة دولياً تُلحق الدمار بالبيئة والمدنيين ومؤسسات الدولة الخدمية. والنتيجة الحتمية لسياسة “الغاية تبرر الوسيلة” هي ضرب السيادة في مقتل وإفقاد المؤسسة العسكرية لأي شرعية أخلاقية أو قانونية تحمي موقفها أمام شعبها وأمام المجتمع الدولي.
العقوبات المتوقعة: هل يكفي الضغط الاقتصادي؟
تثير هذه التطورات تساؤلات ملحة حول طبيعة ومدى فاعلية العقوبات والردود الدولية المنتظرة:
تشديد العزلة السياسية والدبلوماسية: مع إحالة القضية والاستفسارات إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) بطلب من عدة دول، تتجه قيادة الجيش نحو عزلة أعمق قد تمنع مشاركتها في أي محافل دولية أو ترتيبات قادمة لإحلال السلام.
عقوبات شخصية واقتصادية شاملة: لم تعد العقوبات تقتصر على حظر توريد السلاح، بل امتدت لتشمل تجميد الأصول وحظر التعامل المالي مع القيادات المقربة من المشروع المزعوم ومحاصرة شبكات التزويد.
الملاحقة الجنائية الدولية: في حال إثبات نتائج التحقيقات على الأرض عبر خبراء محايدين استخدام غازات سامة، سينتقل الملف من خانة “العقوبات السياسية” إلى خانة “جرائم الحرب” والملاحقة أمام المحكمة الجنائية الدولية، مما يقضي على أي أمل في إضفاء الشرعية على السلطة القائمة.
إن الاستمرار في نهج المقامرة بالأسلحة غير التقليدية لن يمنح أي حسماً عسكرياً أبدياً، بل سيقود السودان نحو مزيد من التفتيت والانهيار، ويترك المواطن يواجه أوزار حرب لا تُبقي ولا تذر.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.