ذراع البرهان الكيميائي.. قصة طارق حسين من الخرطوم إلى العقوبات

تقرير: عين الحقيقة

 

برز اسم العميد الركن طارق حسين محمد مدني في قلب الملف الذي أثارته صحيفة «نيويورك تايمز» بشأن تطوير الجيش السوداني أسلحة كيميائية خلال الحرب، باعتباره أحد الضباط المقربين من قائد الجيش السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، والمسؤول، وفق ما أوردته الصحيفة، عن مشروع سري لتطوير ذخائر محمّلة بغاز الكلور.

وتكشف الوثائق والرسائل والصور ومقاطع الفيديو التي استند إليها التحقيق عن مشروع استمر عدة أشهر خلال عام 2024، بالتزامن مع المعارك التي خاضها الجيش السوداني لاستعادة العاصمة الخرطوم من قوات الدعم السريع.

الكلور كسلاح في معركة الخرطوم

بحسب التحقيق، ظهرت فكرة استخدام الكلور كسلاح في منتصف عام 2024، في ظل تعثر تقدم الجيش على عدد من جبهات القتال. ووفق الرسائل التي استند إليها التحقيق، طرح العميد طارق حسين فكرة تحويل الكلور المستخدم على نطاق واسع في معالجة المياه إلى سلاح كيميائي يمكن استخدامه في العمليات العسكرية.

وتشير الوثائق إلى أن حسين لم يكتفِ بطرح الفكرة، وإنما شارك في وضع التصورات الأولية للذخيرة المقترحة. وتضمنت الرسومات، بحسب التحقيق، تصميمًا لذخيرة تجمع بين التأثير التقليدي للانفجار والشظايا والتأثير السام لغاز الكلور.

وفي إحدى الرسائل، شرَح حسين لزملائه، وفق ما نقلته الصحيفة، أن الذخيرة يمكن أن تقتل أو تصيب أفراد القوة المستهدفة بطريقتين: بفعل الانفجار والشظايا، أو نتيجة استنشاق الغاز، في محاولة للجمع بين التأثير التقليدي للذخائر والتأثير الكيميائي.

من الفكرة إلى الاختبار

لم يبقَ المشروع في حدود التخطيط، إذ بدأ، وفق الوثائق، في يوليو 2024 تصنيع نماذج أولية داخل منشأة مخصصة لذلك، فيما أشار التحقيق إلى إشراف حسين بصورة مباشرة على عمليات التجميع والتطوير.

وفي 22 يوليو، أقلعت طائرة شحن من طراز «أنتونوف» من مطار مروي، شمال السودان، في إطار اختبار للذخيرة الجديدة.

وبعد الاختبار، بعث حسين رسالة قال فيها إن التجربة «نجحت بنسبة 100%»، وإن القنبلة سقطت على الهدف وأطلقت الغاز.

وجاء رد العميد أمير إدريس، الذي وصفه التحقيق بأنه المشرف على عمليات الطائرات المسيّرة، مقتضبًا: «سرية تامة».

وتشير الرسائل، بحسب التحقيق، إلى أن المشروع واجه مشكلات فنية خلال مراحل التجريب، من بينها تسرب الغاز. كما تحدثت إحدى الرسائل عن العثور على حشرات وعقارب نافقة داخل حظيرة للطائرات، في واقعة ربطها التحقيق بتسرب الغاز المستخدم أثناء الاختبارات.

مئات الذخائر ومصادر الكلور

بحلول أكتوبر 2024، كان المشروع قد دخل مرحلة أكثر تقدمًا، إذ أفاد حسين، وفق الرسائل التي نقلتها الصحيفة، بإنتاج ما يقرب من 300 ذخيرة كيميائية، قيل إن الجزء الأكبر منها خُزّن في مطار مروي.

وتضمنت إحدى الرسائل، التي تعود إلى سبتمبر، وصفًا لمقاتلين تعرضوا للغاز عقب هجوم على مصفاة الجيلي، حيث استخدم حسين عبارة «لقد شربوا الغاز»، في إشارة إلى تأثير الغاز عليهم.

ولم يقتصر التحقيق على تتبع تصنيع الذخائر، بل امتد إلى البحث عن مصادر مادة الكلور. ووفق الوثائق، كان أحد المصادر استيراد 20 أسطوانة من مصر، قيل إنها كانت تكفي لإنتاج نحو 1100 قنبلة، بينما تمثل مصدر آخر في الحصول على أسطوانات من محطة المنارة لمعالجة المياه في أم درمان.

وتكتسب الإشارة إلى محطة المياه أهمية خاصة، بحسب التحقيق، بالنظر إلى أن المحطة كانت تتلقى دعمًا من منظمات دولية، بينها اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمة «كير» و«اليونيسف».

العقوبات الأمريكية

بحسب الرواية التي تقدمها الوثائق، لم يستمر المشروع بعد فرض عقوبات أمريكية على عدد من المرتبطين به.

وفي مايو 2025، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على جهات وشخصيات مرتبطة بالملف، بينما أظهرت رسائل لاحقة، بحسب التحقيق، صدور توجيهات من البرهان إلى حسين تقضي بـ«إزالة جميع آثار» أنشطته المتعلقة بالمشروع.

وردّ حسين، وفق الرسائل، بأن «العملية» أُجريت قبل شهر، وهي عبارة فسرتها الصحيفة باعتبارها مؤشرًا على بدء إجراءات لإخفاء أو إزالة آثار المشروع.

وفي يونيو 2025، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات مباشرة على العميد طارق حسين محمد مدني، وربطت العقوبات، وفق ما أوردته، بأنشطة تتعلق باستيراد متفجرات واستخدامها في تصنيع القنابل.

المفارقة الأكبر

لكن الجانب الأكثر إثارة للجدل في القصة يتمثل في الدور الذي لعبه حسين لاحقًا في التحقيق الرسمي داخل السودان.

فبعد التقارير الأمريكية التي تحدثت عن وجود برنامج للأسلحة الكيميائية، شكّل البرهان لجنة للتحقيق في الاتهامات المتعلقة باستخدام هذه الأسلحة. والمفارقة، بحسب تحقيق «نيويورك تايمز»، أن طارق حسين نفسه كان ضمن مستشاري اللجنة التي تولت التحقيق في القضية.

وفي تقريرها المؤقت الصادر في يوليو، قالت اللجنة إنها لم تجد دليلًا على وجود أسلحة كيميائية.

وهكذا، ترسم الوثائق التي أوردتها «نيويورك تايمز» مسارًا يضع اسم العميد طارق حسين في مراحل متعددة من القصة: من التخطيط والتجارب على الذخائر الكيميائية، مرورًا بإنتاج مئات الوحدات وتخزينها، وصولًا إلى العقوبات الأمريكية، ثم مشاركته في لجنة كُلّفت بالتحقيق في الاتهامات نفسها.

وبين رواية تسندها الوثائق والرسائل التي نشرتها الصحيفة، وبين النفي الرسمي ومحاولات التقليل من خطورة الاتهامات، يبقى ملف الأسلحة الكيميائية من أخطر الملفات التي تلاحق قيادة الجيش السوداني.

فهذه الاتهامات لا يمكن إسكاتها ببيان نفي، ولا دفنها تحت غطاء الحرب أو الشعارات الوطنية، بل تتطلب تحقيقًا مستقلًا يكشف من خطط، ومن أصدر الأوامر، ومن نفّذ، ومن حاول طمس آثار ما جرى.

وإذا ثبت استخدام مواد سامة ضد المقاتلين أو المدنيين، فلن يكون الأمر مجرد خطأ عسكري أو تجاوز ميداني، بل جريمة خطيرة تفتح الباب أمام تداعيات قانونية وسياسية وإنسانية واسعة، وتضع المسؤولين عنها أمام المساءلة، مهما علت رتبهم أو مواقعهم.

فالأسلحة الكيميائية ليست ملفًا يمكن لقيادة الجيش أن تغلقه بالنفي، ولا جريمة يمكن أن تحتمي بالزي العسكري.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.