300 ذخيرة كيميائية.. من الكلور إلى الكتمان: وثائق تحاصر قيادة الجيش السوداني
تقرير: عين الحقيقة
تضع وثائق ومعلومات استخباراتية جديدة، كشفت عنها صحيفة «نيويورك تايمز»، قيادة الجيش السوداني أمام وقائع بالغة الخطورة تتعلق بتطوير وإنتاج ذخائر كيميائية تعتمد على غاز الكلور، في وقت كشفت فيه صحيفة «واشنطن بوست» في تحقيق منفصل نُشر في اليوم نفسه عن أدلة أخرى تشير إلى وجود برنامج ومخزون من الأسلحة الكيميائية في السودان.
واستند التحقيق إلى ملف قدمته وكالة استخبارات في الشرق الأوسط، يضم نحو 150 وثيقة وصورة ومقطع فيديو وتسجيلًا صوتيًا، إلى جانب آلاف الرسائل النصية، قالت الصحيفة إن جزءًا كبيرًا منها جرى الحصول عليه من هواتف ضباط سودانيين كبار.
وبحسب التحقيق، توثق هذه المواد برنامجًا استمر نحو ستة أشهر خلال عام 2024 لتطوير وإنتاج ذخائر محمّلة بالكلور، في وقت كانت فيه المعارك محتدمة داخل الخرطوم، وسط وجود أعداد كبيرة من المدنيين.
وتتضمن الوثائق مخططات لذخائر، ومعلومات عن اختبارات سرية في مناطق صحراوية، فضلًا عن مؤشرات على محاولات لإخفاء آثار البرنامج بعد اكتشافه من جانب الولايات المتحدة.
الخطورة في هذه المعلومات لا تتعلق فقط بطبيعة السلاح المحظور دوليًا، وإنما بطبيعة الجهة التي قامت بتطويره. وفي ضوء ما سبق من إفادات ومستندات، تفيد جميع الوقائع بأن القضية لا تتعلق بتجاوز فردي أو حادثة ميدانية، بل بمشروع عسكري منظم لتطوير سلاح محظور دوليًا.
وتشير الوثائق، وفق التحقيق، إلى أن المشروع انتقل من مرحلة التخطيط إلى التصميم والاختبار ثم الإنتاج.
وهنا يبرز السؤال الأهم: من كان يعلم؟ ومن أصدر الأوامر؟ ومن وافق على استمرار المشروع؟
أوردت «نيويورك تايمز» أن رسائل صوتية ونصية لقائد الجيش السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، تشير إلى معرفته المباشرة بالمشروع المزعوم، وقالت إن هذه المعلومات كانت أحد العوامل الرئيسية وراء قرار الولايات المتحدة فرض عقوبات عليه في يناير 2025.
إلى ذلك، رفض متحدث باسم الجيش ما ورد في الملف، ووصف الاتهامات بأنها «لا أساس لها وتفتقر إلى سند مادي»، مشيرًا إلى أن السودان من الدول الموقعة على اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
كما لوّح الجيش بإمكانية اللجوء إلى القضاء الأمريكي ضد الصحيفة.
لكن خطورة الملف تفرض أكثر من مجرد النفي أو التراشق الإعلامي؛ فهي تحتاج إلى تحقيق مستقل يفحص الوثائق والتسجيلات، ويحدد مدى صحتها، ويجيب عن الأسئلة المتعلقة بمسؤولية قيادة الجيش السوداني وسلسلة الأوامر.
ومن أكثر تفاصيل الملف إثارة للقلق ما يتعلق بمصدر الكلور.
فالوثائق تشير إلى استيراد جزء من المادة من الخارج، بينما تتحدث مواد أخرى عن الحصول على كمية من محطة المنارة لمعالجة المياه في أم درمان.
وتزداد حساسية هذه المعلومة بالنظر إلى أن الكلور المستخدم في محطات المياه مخصص لأغراض مدنية، في مقدمتها تعقيم المياه وحماية السكان من الأمراض والأوبئة.
وقالت «نيويورك تايمز» إن اللجنة الدولية للصليب الأحمر قدمت 30 أسطوانة كلور إلى المحطة عام 2023، بينما قدمت منظمة «كير» 35 أسطوانة خلال عامي 2024 و2025.
كما أفادت «يونيسف» بأنها زودت ست محطات لمعالجة المياه في الخرطوم، بينها محطة المنارة، بالكلور بين عامي 2023 و2025.
ولم يشر التقرير إلى علم هذه المنظمات بأي استخدام عسكري محتمل للمواد التي قدمتها.
وبحسب الوثائق التي استند إليها التحقيق، جرى تصنيع نحو 300 ذخيرة كيميائية، خُزّنت معظمها في مطار مروي.
وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن سؤال التصنيع نفسه:
إذا كانت هذه الذخائر قد صُنعت فعلًا، فأين ذهبت؟
هل بقيت في المخازن؟ هل دُمّرت؟ هل نُقلت إلى مواقع أخرى؟ وهل استُخدمت في العمليات العسكرية؟
وتتضمن الوثائق كذلك استخدام ذخائر كيميائية في هجوم على مصفاة الجيلي شمالي الخرطوم في سبتمبر 2024، عندما كانت المنشأة تحت سيطرة قوات الدعم السريع.
وكانت قوات الدعم السريع ذكرت أن الجيش، في 13 سبتمبر 2024، أطلق صواريخ «سامة» على المصفاة.
لكن «نيويورك تايمز» أشارت إلى اختلافات بين طبيعة الذخائر الواردة في الملف ونتائج تحقيق سابق لقناة «فرانس 24»، كما لم تُسجل وفيات مؤكدة مرتبطة بالهجوم.
لذلك، تبقى مسألة الاستخدام بحاجة إلى أدلة ميدانية مستقلة، لا إلى الاتهامات المتبادلة بين طرفي الحرب.
وقالت متحدثة باسم منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إن عدة دول طلبت من المنظمة الحصول على توضيحات من السودان بشأن استخدام الجيش السوداني للسلاح الكيميائي، مشيرة إلى أن العملية لا تزال مستمرة.
كما نقلت الصحيفة عن متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية أن العقوبات ستظل قائمة إلى أن يدمر السودان «جميع الأسلحة الكيميائية ومنشآت إنتاجها تحت إشراف دولي».
وبحسب الوثائق، توقف البرنامج بعد فرض الولايات المتحدة عقوبات في مايو 2025، فيما تشير اتصالات نقلها الملف إلى صدور تعليمات لاحقة بـ«إزالة جميع آثار» أنشطة البرنامج.
إذن، ثمة مؤشرات وتفاصيل متعلقة بملف الجيش وكتائب الحركة الإسلامية والسلاح الكيميائي، وهي بالضرورة تؤكد صحة المعلومات التي جاءت في تحقيق «واشنطن بوست»، إلى جانب السؤال المطروح حول طبيعة الإجراءات التي اتُّخذت لإخفاء أو إنهاء البرنامج.
القضية هنا ليست في النهاية معركة بين «الجيش» و«الدعم السريع»، ولا ينبغي تحويلها إلى سجال سياسي يقوم على قاعدة: ماذا فعل الطرف الآخر؟
وجود جريمة ارتكبها طرف لا يلغي جريمة ارتكبها الطرف الآخر، ولا يمنح أي مؤسسة حصانة من القانون.
والجيش الوطني لا يصبح فوق المساءلة لأنه يحمل اسم الدولة.
إذا كان الجيش مؤسسة وطنية، فإن خضوعه للقانون يجب أن يكون جزءًا من تعريف وطنيته، لا استثناءً منها.
قال خبراء راجعوا صورًا ووثائق من الملف لصالح «نيويورك تايمز» إن المواد تبدو متسقة مع وجود برنامج محتمل للأسلحة الكيميائية، لكنهم شددوا على تدعيم الأمر بتحقيق ميداني يجريه فريق من الخبراء داخل السودان.
وهنا يكمن الاختبار الحقيقي لقيادة الجيش، لا في البيانات المنفعلة، ولا في محاولات التشكيك في الصحافة. فإذا كانت هذه الاتهامات باطلة، فليكن الرد بتحقيق دولي مستقل وشفاف يكشف الحقيقة كاملة، لا بمحاولات إغلاق الملف أو ترهيب من يطرح الأسئلة.. وإذا ثبتت صحتها، فإن الرتب العسكرية ومواقع النفوذ لن تكون حصانة لأحد، من أصغر ضابط إلى أعلى هرم القيادة.
فالقضية عندها لن تكون مجرد واقعة عسكرية أخرى في حرب السودان، بل ستكون اختبارًا قاسيًا لمعنى الدولة، ولحدود سلطة الجيش، ولقدرة قيادة البرهان على الخضوع للقانون عندما تكون الاتهامات موجهة إليها مباشرة.
والسؤال الذي يجب أن يواجه البرهان وقيادة الجيش وأنصارهم هو: من أصدر الأمر؟ من نفّذ؟ ومن سيحاسب؟
فالجيش الذي يطالب السودانيين بالاصطفاف خلفه، لا يستطيع أن يطالبهم، في الوقت نفسه، بالصمت أمام ملف بهذه الخطورة. والوطنية لا تُقاس بمدى الولاء للقيادة، وإنما بمدى خضوع القيادة نفسها للقانون.
فإذا كان السلاح المحظور دوليًا قد خرج من تحت عباءة قيادة الجيش، فلا ينبغي أن تختبئ المسؤولية خلفها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.