لم يأت تقرير (نيويورك تايمز) عن البرنامج الكيميائي المنسوب الى الجيش السوداني ليضيف واقعة الى سجل الحرب فحسب انما جاء ليضع مرآة دولية قاسية فالملف الذي يضم وثائق وصورا وفيديوهات وتسجيلات صوتية وآلآف الرسائل النصية يعزز الاتهامات بأن وحدة عسكرية سودانية طورت ذخائر قائمة على الكلور عام 2024 مع مؤشرات على اختبارات وانتاج ومحاولات لاحقة لاخفاء الآثار.
وهذه حتى الان أدلة تستوجب تحقيقا مستقلا لا حكما قضائيا نهائيا غير أن خطورتها السياسية لا تحتاج الى انتظار الحكم.
الاثر الاول يقع على الجنرال البرهان لانه لا يظهر فى هذه القضية بوصفه قائدا ميدانيا فقط بل باعتباره واجهة الدولة وصاحب القرار الاعلى . وما تنقله الصحيفة عن رسائل تشير الى علم مباشر بالمشروع ثم الى توجيه بإزالة آثاره يفتح بابا يتجاوز مسؤولية الضباط المنفذين الى مسؤولية القيادة السياسية والعسكرية اذا ثبتت صحة المواد. عندها يصبح النفي العام عاجزا عن حماية صورة الدولة الشرعية التي يسعى البرهان الى تقديمها للعالم
لكن اختزال القضية في البرهان والجيش وحدهما يفقد معناها الاعمق .
فالحرب السودانية تقوم على شبكة من المصالح الداخلية والخارجية
تيارات اسلامية وشبكات من النظام السابق تقاتل او تؤثر من خلف المؤسسات وحاضنة سياسية توفر الغطاء
ودول اقليمية تقدم بدرجات مختلفة دعما عسكريا او لوجستيا او سياسيا لاحد طرفي الحرب .
وقد اشارت دراسات دولية الى ادوار لايران وروسيا ومصر وتركيا الى دعم الجيش . الامر الذي جعل الحرب ساحة نفوذ اقليمية لا صراعا سودانيا خالصا .
من هنا فان التقرير يضع الحلفاء امام امتحان جديد . فالداعم الخارجي الذي يواصل اسناد قيادة متهمة بإستخدام سلاح محرم لن يبدو شريكا فى حماية الدولة بل طرفا في حرب قد تتحول الى ملف دولي للعقوبات والمسأءلة . اما التيار الاسلامي فان بقاءه داخل مؤسسات الدولة او على خطوط القتال مع انكار علاقته بالحرب سيواجه سؤالا اكثر الحاحا
هل يريد حماية الجيش ام حماية شبكة سياسية تسعى الى العودة عبر بوابة الحرب ؟
وفي هذا السياق تبدو دعوات البرهان الى الحوار محاولة بائسة لاستعادة المبادرة السياسية محكومة بتناقض جوهري . فهو يعرض ضمانات وحصانة مؤقتة للمشاركين ويتحدث عن حوار مستقل بينما يواصل خطابه العسكري ويستبعد خصومه الاساسيين.
وقد رفض تحالف صمود الحوار المدعوم من الجيش محذرا من ان عقده تحت سلطة السلاح قد يكرس الانقسام ويمنح شرعية جديدة لمعسكر الحرب
لذلك لن يكون الحوار مخرجا حقيقيا ما لم يسبقه وقف اطلاق نار وتحقيق مستقل وفصل المؤسسة العسكرية عن الشبكات الحزبية واخراج القرار الوطني من قبضة الداعميين الخارجيين .
لقد نقل تقرير نيويورك تايمز المعركة من سؤال (من سيربح الحرب؟) الى سؤال اشد قسوة ( اي دولة ستبقى بعد الحرب؟)
ومن سيحاسب على تحوليها الى مختبر للسلاح والنفوذ؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.