لم تعد مخاوف العودة إلى الخرطوم مرتبطة بآثار الحرب والدمار وحدها؛ إذ تكشف سلسلة من البلاغات والحوادث الجنائية المتلاحقة خلال أقل من أسبوع عن تحديات أمنية جديدة، مع تسجيل وقائع نهب واعتداءات وسرقات، إلى جانب وفاة طفل برصاصة طائشة، في مناطق متفرقة من العاصمة.
وخلال أيام محدودة، أعلنت الشرطة توقيف متهم في قضية اغتصاب بمنطقة دار السلام، بعد الإطاحة به في كمين نُصب بمربع 72، فيما تمكنت مباحث أمدرمان شرق من القبض على متهمين في قضية نهب بمنطقة الشرفية، واسترداد هاتف ومبلغ مالي خلال أقل من 24 ساعة.
وفي واقعة أكثر مأساوية، تابعت عين الحقيقة حادثة مقتل طفل يبلغ من العمر 11 عامًا، إثر إصابته بعيار ناري طائش أثناء نومه داخل فناء منزله بمنطقة أم عشر القصيرة بمحلية جبل أولياء. ولا تزال الشرطة تجري تحرياتها لتحديد مصدر الرصاصة وكشف ملابسات الحادث.
وفي أمبدة، أسفرت حملات أمنية نفذتها الشرطة عن توقيف أكثر من 14 متهمًا، وضبط مسروقات وأدوية ومستحضرات تجميل مجهولة المصدر، إلى جانب دراجات نارية وركشات مخالفة.
كما تمكنت مباحث السلام غرب من توقيف متهم رئيسي في بلاغ نهب مسلح، واسترداد هواتف وأموال ومصوغات فضية.
ولم تقتصر الوقائع على جرائم النهب في الشوارع؛ إذ أعلنت الشرطة كذلك تفكيك شبكة متخصصة في سرقة المتاجر، عقب كسر أحد المحال التجارية بسوق قندهار، وتوقيف ثلاثة متهمين، بينهم شخص يُشتبه في تورطه في شراء البضائع المسروقة.
وفي أمدرمان شمال، أوقفت قوة شرطية متهمًا متلبسًا عقب نهبه سائق ركشة والاعتداء عليه والاستيلاء على هاتفه، فضلًا عن إتلاف مركبته.
ورغم نجاح الأجهزة الشرطية في توقيف عدد من المتهمين واسترداد جزء من المسروقات، فإن تتابع هذه الوقائع وتنوعها خلال فترة زمنية قصيرة يسلط الضوء على مؤشرات مقلقة بشأن الوضع الأمني في بعض مناطق العاصمة، ويعيد إلى الواجهة سؤالًا أساسيًا أمام آلاف الأسر التي تفكر في العودة: هل أصبحت الخرطوم مهيأة فعلًا لعودة السكان، أم أن استعادة الأمن في الشوارع لا تزال تحتاج إلى مزيد من الوقت والإجراءات؟
وبينما يحاول سكان الخرطوم استعادة حياتهم وسط آثار الحرب، تظل وقائع النهب والاعتداء والسرقة والرصاص الطائش مصدر قلق يومي، خصوصًا للعائلات التي تستعد للعودة إلى العاصمة بعد سنوات من النزوح.
ولا تعني هذه الوقائع بالضرورة أن الخرطوم أصبحت مدينة بلا أمن، لكنها تشير إلى أن الاستقرار الأمني لا يزال متفاوتًا من منطقة إلى أخرى، وأن عودة الحياة الطبيعية لا تُقاس فقط بفتح الطرق وعودة الخدمات، وإنما أيضًا بقدرة المواطنين على التحرك والنوم والعيش داخل أحيائهم دون خوف من الجريمة.
وبالنسبة للعائدين، فإن السؤال لم يعد فقط: هل انتهت الحرب في هذه المنطقة؟ بل أصبح أيضًا: هل أصبحت آمنة بما يكفي لعودة الأسرة؟
الخرطوم لا تحتاج إلى بيانات أمنية للاحتفال باستعادة السيطرة، بقدر ما تحتاج إلى أمن يلمسه المواطن في الشارع والمنزل. فحين تتوالى جرائم النهب والسرقة والاعتداء، ويسقط طفل برصاصة طائشة داخل منزله، يصبح الحديث عن عودة الاستقرار دون مراجعة حقيقية للواقع الأمني مجرد خطاب للاستهلاك.
المشكلة ليست في عدد المتهمين الذين جرى توقيفهم، وإنما في قدرة الأجهزة الأمنية على منع الجريمة قبل وقوعها، وحماية الأحياء والأسواق وممتلكات المواطنين، وفرض سيادة القانون بصورة مستدامة، لا عبر حملات مؤقتة عقب وقوع الحوادث.
فالعودة إلى الخرطوم لا يمكن أن تُبنى على الشعارات والصور الاحتفالية وفتح الطرق وحده. العاصمة الآمنة هي التي يطمئن فيها المواطن على أسرته وماله وحياته، لا العاصمة التي تُحصي جرائمها بعد وقوعها.
وما لم تتحول الاستجابة الأمنية من رد فعل إلى سياسة واضحة للوقاية والمحاسبة، فإن دعوات العودة ستظل تصطدم بحقيقة أكثر قسوة: الخرطوم قد تكون قد تجاوزت جانبًا من الحرب، لكنها لم تتجاوز بعد كلفة الانفلات الأمني.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.