من «المشروع الحضاري» إلى مشروع الكلور.. الإخوان يقتلون الشعب السوداني

تيسير المبارك

كانوا يحدثوننا طويلاً عن «المشروع الحضاري»، وعن دولة الدين والأخلاق والتمكين. واليوم، بعد سنوات من الحرب، تكشف الملفات والوثائق عن وجه آخر أكثر قتامة: اتهامات بتطوير ذخائر كيميائية تعتمد على غاز الكلور واستخدامها في الحرب السودانية. نحن لم نعد أمام مجرد حرب على السلطة، بل أمام انزلاق خطير نحو استخدام أسلحة محرمة دولياً ضد سودانيين، تحت شعار حماية الدولة.

تحقيق حديث نشرته نيويورك تايمز استند إلى نحو 150 وثيقة وصورة وفيديو ورسالة صوتية، وقال إن ملفاً استخباراتياً يشير إلى تطوير الجيش السوداني برنامجاً سرياً لإنتاج ذخائر تعتمد على الكلور خلال عام 2024. كما تحدثت المواد عن اختبارات لقنابل كيميائية، ومخزون قيل إنه بلغ مئات الذخائر. ولم تتوقف القصة عند الصحافة. فقد قالت وزارة الخارجية الأمريكية رسمياً في 2025 إن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية بالمخالفة للقانون الدولي، وهو ما ترتبت عليه عقوبات أمريكية. لكن الجديد الأكثر خطورة هو ما تكشفه الوثائق المنشورة الآن: حديث عن تصنيع الذخائر، وتجارب في مناطق صحراوية، ومحاولات لإخفاء آثار البرنامج، بل وإشارات إلى الحصول على الكلور من منشآت مخصصة أصلاً لمعالجة مياه الشرب. هنا تحديداً يسقط القناع. فالكلور الذي يفترض أن يذهب إلى الماء ليحمي السودانيين من الأمراض، يصبح ـ إذا صحت هذه الاتهامات ـ مادة لصناعة الموت. أي عقل إجرامي هذا الذي يحول مادة مخصصة لإنقاذ حياة المدنيين إلى سلاح ضد البشر؟

لسنا بحاجة إلى إعادة اكتشاف تاريخ الحركة الإسلامية في السودان حتى نفهم كيف وصلت البلاد إلى هذه الحافة. لقد حكم الإسلاميون السودان لعقود، وأقاموا نظاماً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً جعل الولاء للتنظيم فوق الولاء للدولة، وتركوا خلفهم مؤسسات منهكة ومجتمعاً ممزقاً، قبل أن تعود شبكاتهم إلى واجهة المشهد مع اندلاع الحرب. لكن المسؤولية عن أي جريمة كيميائية لا يجوز نسبتها إلى جماعة سياسية بالكامل لمجرد الانتماء السياسي؛ المسؤولية الجنائية يجب أن تُثبت بالأدلة وتُحدد على أساس الأوامر والتنفيذ والمشاركة. أما إذا أثبت التحقيق المستقل وجود دور مباشر لقيادات أو شبكات مرتبطة بالحركة الإسلامية في هذا البرنامج، فستكون أمامنا واحدة من أكثر المفارقات السودانية قسوة: الجماعة التي رفعت شعار الدين والأخلاق تنتهي إلى اتهامات بصناعة سلاح يخنق البشر. ذلك ليس «مشروعاً حضارياً» بل مشروع خراب.

أخطر ما في القصة ليس القنبلة.. بل عقلية استخدامها القنبلة يمكن تصنيعها وتدميرها. المعمل يمكن إغلاقه. لكن العقلية التي تقبل استخدام السلاح الكيميائي هي الكارثة الحقيقية. وثائق واشنطن بوست تحدثت عن ذخائر ذات تأثير مزدوج تجمع بين المتفجرات والغاز، وعن تجارب وإنتاج وتخزين، بل وعن مواد تشير إلى محاولة إخفاء آثار الاستخدام. وفي الوقت نفسه، أكد خبراء استشارتهم الصحيفة أن المواد تمثل مؤشرات ذات مصداقية ومقلقة على وجود برنامج كيميائي، مع التشديد على أن الحسم النهائي يحتاج إلى تحقيق ميداني مستقل.

ما يحدث الآن أكبر من البرهان أو حميدتي، وأكبر من الجيش أو الدعم السريع. إنه سؤال عن مستقبل بلد كامل. السودان الذي يريد أبناؤه العودة إلى بيوتهم لا يحتاج إلى صواريخ جديدة ولا إلى قنابل كلور. يحتاج إلى ماء نظيف، مستشفى، مدرسة، كهرباء، خبز وأمان. بينما يتقاتل قادة الحرب على السلطة، يبحث ملايين السودانيين عن أبسط حقوق الحياة. ثم تأتي الاتهامات بأسلحة كيميائية لتكشف مدى الانحدار الذي يمكن أن تصل إليه الحرب عندما تصبح السلطة أهم من الإنسان.

من «المشروع الحضاري» إلى مشروع الكلور؟

إذا أثبتت التحقيقات تورط أي قيادات أو شبكات إخوانية في هذا الملف، فإن التاريخ لن يرحمهم. لن يتذكر السودانيون عندها شعاراتهم عن الدين والأخلاق. سيتذكرون فقط أن الذين وعدوهم بـ«الإنقاذ» تركوا لهم بلداً مدمراً، وحرباً لا تنتهي، وملايين النازحين، والآن اتهامات ببرنامج أسلحة كيميائية. هذه هي النهاية الطبيعية لمشروع وضع التنظيم فوق الدولة، والسلطة فوق الإنسان، والانتصار العسكري فوق حياة الشعب. السودان لا يحتاج إلى «مشروع حضاري» جديد. السودان يحتاج إلى إنقاذ السودانيين من الذين جعلوا الحرب مشروعاً للبقاء في السلطة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.