مشروع السوكي الزراعي. مشروع قومي بين فراغ المدير الزراعي وغياب إدارة الأقسام

طارق محمد أحمد الفكي

في مشروع السوكي الزراعي، وهو مشروع قومي يرتبط مباشرة بالمزارع والإنتاج والاقتصاد السوداني، فإن تداخل الاختصاصات وتركيزها في يد واحدة ليس مسألة إدارية عابرة، بل خطر مؤسسي قد يضعف الرقابة، ويعطل القرار، وينعكس أثره من المكتب إلى الحقل، ومن الحقل إلى المزارع والإنتاج.

فحين يجمع شخص واحد بين منصب المدير الزراعي للمشروع ومدير قسم تكتوك، إلى جانب عدد من اللجان والملفات الأخرى، يصبح السؤال مشروعًا: من يراجع من؟ ومن يحاسب من؟ ومن يقيّم الخطة والنتائج؟

إنها ليست قضية شخص، وإنما قضية بناء مؤسسي يحمي المشروع ويضمن وضوح المسؤولية وسلامة القرار.

فالمدير الزراعي ليس مجرد مسمى وظيفي داخل الهيكل الإداري، وإنما هو رأس الجهاز الزراعي، والمسؤول عن قيادة الأقسام الزراعية الأربعة، ووضع الخطط الزراعية، وتنسيق العمل الفني، ومتابعة التنفيذ، وربط الإدارات المختلفة بالميدان.

لكن عندما يكون المدير الزراعي هو نفسه مدير قسم تكتوك، فإن الإشكال الإداري يصبح أكثر وضوحًا؛ لأن مدير القسم يفترض أن يضع خطة قسمه ويتابع تنفيذها ويرفع تقاريره، بينما المدير الزراعي يفترض أن يتلقى تلك التقارير ويراجع أداء القسم ويقيّم النتائج.

فإذا كان الشخص نفسه يشغل الوظيفتين، فكيف تُمارس عملية المراجعة والتقييم؟ ولمن تُرفع التقارير؟ ومن يحاسب على الانحراف عن الخطة؟

السؤال هنا لا يستهدف شخصًا بعينه، ولا يعني بالضرورة وجود مخالفة، وإنما يطرح مسألة تتعلق بوضوح الاختصاصات وسلامة الإجراءات واستقلالية المتابعة، وهي أمور لا تستقيم أي مؤسسة دونها.

والأمر لا يتوقف عند منصبي المدير الزراعي ومدير قسم تكتوك، إذ إن الشخص نفسه يتولى أو يشارك في عدد من اللجان والملفات الأخرى، من بينها السكن و إلى جانب ملفات ولجان أخرى.

وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد تعدد مهام: هل يستطيع شخص واحد أن يخطط، وينفذ، ويتابع، ويراجع، ويقيّم، ويرفع التقارير، ويشارك في اتخاذ القرارات المتعلقة بكل هذه الملفات، بالكفاءة والوقت والرقابة التي تتطلبها طبيعة كل اختصاص؟

الإدارة المؤسسية لا تقوم على تجميع أكبر عدد من المهام في يد شخص واحد، وإنما على توزيع المسؤوليات، وتحديد الصلاحيات، وتوفير الرقابة المتبادلة، بحيث تكون لكل مهمة جهة واضحة، ولكل قرار مسؤول محدد، ولكل تقرير جهة تراجعه.

فالمدير الزراعي يحتاج إلى متابعة الأقسام الزراعية الأربعة، ووضع الخطط، والتنسيق بين الإدارات الفنية، ومتابعة الموسم والمزارعين. ومدير القسم يحتاج إلى وجود مباشر داخل قسمه، ومتابعة مزارعيه وحقوله وبرامجه ومشكلاته اليومية.

أما لجان السكن والمشتريات والمدخلات والصرف والإيراد، فلكل منها طبيعة واختصاصات وإجراءات تستوجب الوضوح والتوثيق والرقابة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بموارد مؤسسة ومصالح مزارعين ومال عام.

ومن هنا تظهر أهمية السؤال الإداري والقانوني: هل يسمح الهيكل واللوائح بجمع كل هذه الاختصاصات في شخص واحد؟ وإذا كانت هناك تكليفات رسمية بذلك، فهل حددت بوضوح حدود السلطة والمسؤولية وآليات المراجعة والمساءلة؟

هذه أسئلة مشروعة، والإجابة عنها لا تكون بالجدل، وإنما بالرجوع إلى الهيكل التنظيمي، واللوائح، وقرارات التكليف، ومحاضر اللجان، ومسارات الاعتماد والمراجعة.

أما قسم تكتوك، وهو أحد الأقسام الزراعية الأربعة، فإن غياب مدير مستقل له يزيد الحاجة إلى المعالجة. فالقسم يعمل في ظل وجود عدد محدود من الكوادر الزراعية، ومع ذلك يحتاج إلى إدارة مباشرة تتولى التخطيط والتنفيذ والمتابعة ورفع التقارير.

المفتش الزراعي يؤدي دورًا فنيًا مهمًا، لكنه لا يمكن أن يكون بديلًا عن مدير القسم في المسؤوليات الإدارية إلا إذا كان هناك تكليف رسمي واضح يحدد اختصاصاته وصلاحياته.

وإذا كان السكن الوظيفي أحد أسباب عدم وجود مدير لقسم تكتوك، فإن الأمر يحتاج إلى مراجعة مؤسسية هادئة: هل السكن غير متوفر فعلًا، أم أن المشكلة في كيفية تخصيص الموجود منه؟

وإذا كانت هناك مساكن تابعة للمشروع يشغلها أشخاص لا تربطهم علاقة مباشرة بالهيئة أو بالعمل الزراعي، فالمطلوب ليس اتهام أحد، وإنما مراجعة رسمية لتخصيص السكن وفق اللوائح والأولوية الوظيفية وحاجة المشروع.

فالسكن الوظيفي مورد من موارد المؤسسة، والغرض منه دعم استقرار العمل، خاصة في الأقسام التي تحتاج إلى وجود إداري وفني مستمر بالقرب من مواقع الإنتاج والمزارعين.

إن المشكلة في جوهرها ليست وظيفة شاغرة هنا أو منصبًا مزدوجًا هناك، وإنما اختبار حقيقي لسلامة البناء المؤسسي داخل هيئة السوكي الزراعية.

فمن يخطط يجب أن تكون خطته قابلة للمراجعة، ومن ينفذ يجب أن يكون أداؤه قابلًا للتقييم، ومن يرفع التقرير يجب أن تكون هناك جهة مستقلة عنه تراجعه، ومن يتخذ القرار يجب أن تكون صلاحياته محددة، ومن يتحمل المسؤولية يجب أن يكون معلومًا بوضوح.

لأن غياب هذه الحلقة قد يجعل المسؤولية تدور داخل الدائرة نفسها، بدل أن تتحرك في مسار مؤسسي واضح.

 

والخطر هنا لا يبقى داخل المكاتب. فإذا تعطلت القرارات، أو ضعفت المتابعة الزراعية، أو غابت الإدارة المباشرة عن أحد الأقسام، فإن الأثر ينتقل إلى الحقل، ثم إلى المحصول، ثم إلى دخل المزارع، وفي النهاية إلى الإنتاج والاقتصاد.

المزارع هو أول من يدفع ثمن الخلل الإداري. فهو لا يتعامل مع المسميات الوظيفية، وإنما مع توقيت المدخلات، وانتظام الري، والوقاية، والإرشاد، والمتابعة، والقرارات التي تحمي محصوله.

والسوكي لا تحتمل أن تكون إدارة مشروع بهذا الحجم مرتبطة بتراكم المسؤوليات في شخص واحد، كما لا تحتمل أن تبقى أقسامها دون قيادة واضحة.

ومن هنا تأتي الرسالة إلى وزارة العمل والإصلاح الإداري، لمراجعة الهيكل الوظيفي وتوزيع الاختصاصات، والتأكد من أن الوظائف القيادية تؤدي أدوارها وفق اللوائح، وأن تركيز المسؤوليات لا يتحول إلى عبء على المؤسسة أو مدخل لضعف الرقابة.

وإلى وزارة الزراعة والغابات الاتحادية، فإن حماية السوكي لا تقتصر على دعم الموسم أو تأهيل البنية التحتية، وإنما تبدأ أيضًا من حماية البناء المؤسسي للمشروع، وضمان وجود قيادة زراعية واضحة، وأقسام فاعلة، واختصاصات محددة، بما يحفظ الإنتاج وحقوق المزارعين.

وإلى المدير العام لهيئة السوكي الزراعية، فإن المطلوب ليس إقصاء شخص أو التشكيك في جهد أحد، وإنما إعادة ترتيب البيت الإداري بما يحمي المؤسسة ويخفف تركيز المسؤوليات ويضمن أن يكون لكل موقع دوره الواضح.

فالمدير الزراعي يحتاج إلى التفرغ لقيادة الجهاز الزراعي، ومدير القسم يحتاج إلى التواجد وإدارة قسمه، واللجان تحتاج إلى اختصاص واضح، والملفات المالية والإدارية تحتاج إلى مسارات اعتماد ومراجعة واضحة، والرقابة تحتاج إلى مساحة تمكنها من أداء دورها.

توزيع الاختصاصات ليس إضعافًا للقيادة، بل حماية لها. والفصل بين الأدوار ليس تعطيلًا للعمل، بل ضمان لسلامة القرار.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي لا ينبغي أن يضيع بين المكاتب:

إذا كان المدير الزراعي هو نفسه مدير قسم تكتوك، وهو واضع الخطة ومدير التنفيذ ومتلقي التقرير ومراجع الأداء، وهو في الوقت ذاته مسؤول عن لجان وملفات أخرى، فمن يراجع المدير؟ ومن يقيّم الخطة؟ ومن يحاسب على النتيجة؟

ذلك سؤال مؤسسي مشروع، وإجابته يجب أن تكون في اللوائح والقرارات والوثائق، لا في الأشخاص.

فالسوكي مشروع قومي، والمزارع أمانة، والمال العام مسؤولية، والإدارة ليست كثرة مناصب، وإنما وضوح اختصاص، وسلامة قرار، ورقابة فاعلة، ونتيجة تظهر في الحقل.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.