البرهان يورط نفسه والمنطقة في درن الكيماوي

بقلم: بقلم: عروة الصادق

القضية اليوم تجاوزت حدود تقرير صحفي أو اتهام متبادل بين طرفي الحرب، لأن الخيط الذي بدأ بمعلومات استخباراتية أميركية وصل إلى قرار رسمي وعقوبات، ثم إلى تحقيقات مفتوحة المصدر تتبعت إحدى أسطوانات الكلور من رقمها التسلسلي إلى المورد وشحنة الاستيراد ومسارها البحري، وانتهى إلى ظهورها داخل بيئة عسكرية مرتبطة بالقوات المسلحة، ولهذا فإن مركز الأسئلة والمسؤولية يتحرك مباشرة نحو سلطة بورتسودان والقيادة التي تدير الجيش وموانئه ومخازنه وسلاحه الجوي وسلسلة قراره.

المسألة هنا أوسع من سؤال عما إذا كان طيار أو قائد ميداني قد استخدم مادة محظورة، لأن استخدام مادة كيميائية عبر منصة جوية يحتاج سلسلة كاملة تسبق لحظة الإلقاء، هناك مادة جرى استيرادها، وجهة تسلمتها، ومخزن حفظها، وآلية نقلتها، وفنيون تعاملوا معها، ووحدة استلمتها، وطائرة حملتها، وأمر عمليات أجاز المهمة، لذلك يصعب اختزال المسؤولية في الحلقة الأخيرة وترك منظومة القيادة خارج الصورة.

المعلومات الأميركية المنشورة تحدثت عن دائرة محدودة داخل المؤسسة العسكرية كانت تعرف بالبرنامج الكيميائي، وعن استخدام وقع مرتين على الأقل، وعن ترجيح الكلور، كما نسبت المصادر التي تحدثت للصحيفة إجازة الاستخدام إلى عبد الفتاح البرهان، وبعد ذلك اتخذت الولايات المتحدة قراراً رسمياً باعتبار حكومة السودان قد استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024، ومن هنا تصبح مسؤولية بورتسودان سياسية ومؤسسية قبل أن تصل القضية إلى مرحلة تحديد المسؤولية الجنائية الفردية.

المسؤولية الأولى على بورتسودان اليوم هي كشف الحقيقة، لأن السلطة التي تقول إن الاتهامات باطلة تملك الطريق الأقصر لإثبات ذلك، فتح سجلات الاستيراد، وسجلات الموانئ، وسجلات المخازن، وأوامر حركة المواد الخطرة، وسجلات سلاح الجو، وأوامر العمليات، وأسماء الوحدات التي تسلمت الأسطوانات، والسماح بتحقيق دولي فني مستقل، أما الاكتفاء بالنفي مع بقاء هذه السجلات مغلقة فيزيد الأسئلة ولا يغلقها.

وتزداد مسؤولية بورتسودان مع ظهور سلسلة شحنة الكلور التي أمكن تتبع جزء معتبر منها، سبع عشرة أسطوانة خرجت من الهند، مرت عبر ميناء جدة الإسلامي، أعيد تحميلها على السفينة «الأحمد»، ثم وصلت بورتسودان، وبعد فترة ظهرت إحدى الأسطوانات المرتبطة بالشحنة في محيط عسكري شمال الخرطوم، وهذه السلسلة تجعل السؤال موجهاً مباشرة إلى الجهة التي تسلمت المادة داخل السودان، من استلمها في الميناء، أين ذهبت بعد الإفراج عنها، من وقع على استلامها، وما الجهة التي نقلتها من الاستخدام المدني المعلن إلى بيئة عسكرية.

مرور الشحنة عبر جدة يفتح باباً للتحقيق في السجلات السعودية، لكنه لا ينقل مركز المسؤولية بعيداً عن السودان، لأن نقطة التحول الحاسمة وقعت بعد وصول المادة إلى بورتسودان، هناك يفترض أن توجد سجلات المستورد والمخازن والنقل والتخصيص، وهناك تبدأ مسؤولية السلطة عن تفسير انتقال أسطوانة كلور من شحنة مدنية معلنة إلى موقع عسكري.

لهذا أرى أن محاولة توسيع النقاش سريعاً نحو السعودية أو إيران أو الحوثيين يمكن أن تشتت مركز القضية إذا سبقت الأدلة، إيران والحوثيون جزء مهم من شبكة التسليح والتقنية والمسيّرات واللوجستيات التي ارتبطت بالجيش خلال الحرب، لكن الحلقة الكيميائية المباشرة تحتاج إثباتاً مستقلاً، أما بورتسودان فهي الجهة التي وصلت إليها الشحنة، والجهة التي تسيطر على الجيش وسلاحه الجوي، والجهة المطالبة بتفسير ما جرى داخل أراضي السودان وتحت سيطرة مؤسساتها.

الأخطر أن ملف شمال دارفور يوسع نطاق الأسئلة، ففي بادية الزيادية توجد واقعة بتاريخ 24 مايو 2024 أعقبها نفوق نحو 360 جملاً في قصف واحد، وفق الإفادات الميدانية والبيطرية المتوفرة، مع غياب إصابات شظوية تفسر هذا العدد، ووجود صور وفيديوهات وشهادات من بيطريين وشيوخ محليين وصفوا الحادث بأنه غير مسبوق في تجربتهم الطويلة مع الإبل والبادية. وفي الكومة توجد قائمة أولية تضم أكثر من عشرين امرأة تعرضن لإجهاضات وفقد أجنة ووفيات أطفال حديثي الولادة، وتأتي خطورة هذه الوقائع من أن عدداً من النساء عانين قبل فقد الحمل من اختناق وتشنجات وفقدان وعي، وكن ضمن برامج للرعاية الأولية، وهذا يفرض على أي تحقيق جاد أن يربط السجلات الصحية بتاريخ القصف ومكانه وأنماط الأعراض. وفي مليط وردت إفادات عن تغير لون موارد مياه عقب القصف، ثم نفوق ماشية وطيور شربت منها، ومع وجود الأثر البشري والحيواني والبيئي في مناطق متقاربة تصبح الحاجة إلى تفسير رسمي وفني أكثر إلحاحاً، لأن السلطة التي تستخدم الطيران في هذه المناطق وتدير الذخائر ومخازنها تتحمل واجب بيان نوع الذخائر التي استخدمت وأوامر المهمات ومسارات الطائرات.

كما ظهرت تقارير عن أمراض غير معتادة في الريف الشمالي لأم درمان وشمال بحري، وبعض هذه المناطق يقع قريباً من المواقع التي ارتبطت بملف الجيلي وقرّي، وهذه الوقائع تحتاج دراسة وبائية وبيئية مستقلة، والحديث عن أمراض مزمنة مثل الكلى والكبد والقلب والسرطان يحتاج فحصاً علمياً خاصاً قبل إسنادها إلى مادة محددة، لكن ظهور تجمعات مرضية في مناطق شهدت نشاطاً عسكرياً مرتبطاً بالمواد الكيميائية يمنح التحقيق سبباً إضافياً لفحص المياه والتربة ومخلفات الذخائر والسجلات الطبية. من هنا تصبح مسؤولية بورتسودان ذات مستويين، مستوى يتعلق بما حدث بالفعل، ومستوى يتعلق بما تفعله الآن بعد ظهور هذه المعلومات، إذا كانت القيادة ترفض الاتهامات فعليها أن تفتح الأبواب أمام التحقق الدولي، وإذا امتنعت عن إظهار السجلات أو السماح بفحص المواقع والمخازن والمواد، فإنها تتحمل مسؤولية سياسية كاملة عن استمرار الشكوك وعن تعطيل الوصول إلى الحقيقة.

أما إذا ثبت أن الاستخدام صدر عن قرار قيادي، فالقضية تتحول إلى مستوى أشد خطورة، لأن التحقيق سيبحث عمن علم، ومن أجاز، ومن خصص المادة، ومن أمر بالنقل، ومن أصدر مهمة الطيران، ومن راقب التنفيذ، ومن شارك لاحقاً في إخفاء الآثار أو منع التحقيق، وعند هذه النقطة تصبح المسؤولية متصلة مباشرة بهرم القيادة.

لهذا فإن اسم البرهان يدخل الملف من زاوية محددة، المصادر الأميركية نسبت إليه إجازة الاستخدام، وهذه المعلومة تحتاج إثباتاً مستقلاً إذا أريد تحويلها إلى مسؤولية جنائية شخصية، لكنها تضع القيادة العليا تحت سؤال مباشر يصعب تجاوزه، هل صدرت أوامر باستخدام مواد كيميائية، ومن كان داخل دائرة العلم، وما الذي فعلته القيادة بعد ظهور الاتهامات.

أما المعلومات المتعلقة باحتمال استخدام سلاح كيميائي في الدمازين، فينبغي التعامل معها كإنذار بالغ الخطورة يحتاج إلى تحقق ومراقبة عاجلة، ومع ذلك فإن المسؤولية الوقائية تقع أيضاً على بورتسودان، لأنها تعرف الآن أن أي استخدام جديد سيقع بعد قرار أميركي وعقوبات وتحقيقات دولية سابقة، أي أن أي واقعة جديدة ستصعب معاملتها كحادث منفصل أو مجهول المصدر.

الكلفة على بورتسودان ارتفعت كثيراً، لأن المحقق في أي حادث جديد سيبدأ من ملف موجود بالفعل، وسيقارن الأسطوانة برقمها، والشحنة بمصدرها، والطائرة بسجلها، والموقع بمخلفاته، والأعراض بالسجلات الطبية، وسلسلة الأمر بمن كان يملك سلطة القرار في ذلك اليوم.

عليه أرى أن مركز القضية اليوم يوجد في بورتسودان، هناك وصلت الشحنات، وهناك توجد السجلات، وهناك توجد قيادة الجيش، وسلاح الجو، والمخازن، وأوامر العمليات، ولذلك فإن القيادة لا تستطيع أن تطلب من العالم الاكتفاء بنفيها بينما تحتفظ بالمفاتيح التي يمكن أن تثبت صحة روايتها أو تكشف عكسها.

السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى سلطة بورتسودان صار واضحاً، أين ذهبت أسطوانات الكلور بعد وصولها، من استلمها، من نقلها، أين خُزنت، كيف ظهرت واحدة منها داخل موقع عسكري، ما الذخائر التي استخدمت في الجيلي وشمال دارفور، من أجاز استخدامها، ولماذا لم تُفتح حتى الآن سلسلة السجلات كاملة أمام تحقيق دولي مستقل. هذه هي نقطة الضغط الحقيقية، لأن القضية لم تعد معركة حول الرواية الأقوى، أصبحت معركة حول السجل الذي تستطيع القيادة إظهاره أو إخفاءه، وكل يوم يبقى فيه هذا السجل مغلقاً يزيد مسؤولية بورتسودان السياسية، ويقرب الملف أكثر من سؤال المسؤولية القيادية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.