حين يصبح الجار غريباً
الحرب السودانية لم تفرّق الناس بالسلاح وحده.
لقد فرّقتهم بالنزوح، والخوف، والشائعات، والخطاب التحريضي، وفقدان الثقة.
أسرة تهرب من الخرطوم فتستقر في مدينة أخرى. أسرة تغادر الجزيرة. أخرى تترك سنجة أو الدندر. وأخرى تفقد منزلها في دارفور أو كردفان.
في كل موجة نزوح، لا يفقد الإنسان بيته فقط؛ يفقد شبكة كاملة من العلاقات.
الجيران يتفرقون.
الأصدقاء يتوزعون.
الأحياء تتغير.
المناسبات الاجتماعية تختفي.
والأطفال الذين كانوا يتعلمون معنى «الجيرة» من الحياة اليومية، يجدون أنفسهم في مخيم أو مدينة غريبة، أو في بيت مؤقت لا يعرفون فيه أحداً.
وبحسب المنظمة الدولية للهجرة، أدت الحرب إلى نزوح واسع النطاق، فيما لا يزال ملايين السودانيين نازحين داخل البلاد، بينما عاد آخرون إلى مناطق مدمرة؛ وتشير بياناتها إلى أن نسبة كبيرة من العائدين وجدوا منازل متضررة أو منهارة.
لكن النزوح لا يعني فقط فقدان المكان.
إنه يعني أيضاً فقدان السياق الاجتماعي الذي كان يمنح الإنسان شعوراً بالأمان والانتماء.
فالبيت ليس جدراناً وسقفاً. والحي ليس مجموعة من المباني. والجيرة ليست مجرد معرفة بالأسماء.
كل ذلك يشكل شبكة غير مكتوبة من الثقة.
حين يمرض أحد، يجد من يسأل عنه.
حين يموت شخص، يجد من يقف إلى جانب أسرته.
حين يحتاج طفل إلى المساعدة، يعرف الجيران أن عليهم التدخل.
وحين يضعف القانون، كانت هذه الروابط الاجتماعية، في كثير من البيئات، تمثل خطاً إضافياً لحماية المجتمع من التفكك.
لكن الحرب تقطع هذه الشبكات واحدة بعد الأخرى.
وحين ينقطع الإنسان عن جيرانه، ويعيش سنوات في بيئة جديدة، تحت الخوف والحاجة وعدم اليقين، يصبح بناء الثقة من جديد أمراً بالغ الصعوبة.
والأخطر من ذلك كله أن الأطفال يكبرون داخل هذا الواقع.
ربما تكون هذه هي النقطة الأكثر خطورة.
فالأجيال القادمة لن تتذكر الحرب باعتبارها خبراً في التلفزيون؛ كثير من الأطفال السودانيين يعيشونها باعتبارها تجربتهم الأولى مع العالم.
طفل رأى بيتاً يُنهب قد يتعلم أن القوة تحمي الممتلكات أكثر من القانون.
طفل شاهد شخصاً يُقتل دون محاسبة قد يتعلم أن الحياة رخيصة.
طفل عاش سنوات من الخوف قد يصبح أكثر استعداداً لاستخدام العنف عندما يكبر.
وطفل انقطع عن المدرسة لسنوات قد يفقد، إلى جانب التعليم، واحدة من أهم المؤسسات التي تعلّم الانضباط والتعايش واحترام الآخر.
وتقول اليونيسف إن نحو ثمانية ملايين طفل في السودان خارج المدرسة، وإن ما يقارب نصف مباني المدارس لم تعد تؤدي وظيفتها التعليمية بصورة طبيعية. كما تحذر من أن طول الانقطاع عن التعليم يزيد مخاطر التهميش والفقر والتجنيد والعنف والزواج المبكر.
هذه ليست أزمة تعليم فقط.
إنها أزمة إعادة إنتاج اجتماعي.
فالمجتمع الذي يترك أبناءه سنوات طويلة بلا مدرسة، وبلا بيئة مستقرة، وبلا نموذج واضح للعدالة، يترك الحرب لتقوم مقام المدرسة.
وهنا لا يعود السؤال: ماذا خسر أطفال السودان من سنوات التعليم؟
بل يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا يتعلمون بدلاً من ذلك؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.