البرهان الذي حرق السودان… ورَطان!

حسن عبد الرضي

يا برهان، يبدو أن كل الطرق التي حاولت أن تمشي بها إلى السلطة قد انتهت بك إلى الحائط.
مرةً قلت إنك رئيسٌ بحكم الأمر الواقع، ومرةً تحدثت عن الانتخابات، ومرةً عن التفويض الشعبي، ومرةً عن الحرب بوصفها طريقًا إلى «الدولة»، ثم جاءت اللحظة التي أصبح فيها حتى الترشيح نفسه تهمةً ثقيلة، فخرجت تقول إنك لم تطلب من أحد أن يرشحك!
وهنا، بالله عليك، ماذا بقي من المسرحية؟
حين يعجز الرجل عن صناعة شرعية حقيقية، يبدأ في صناعة الرواية.
وحين تفشل الرواية، يبدأ في صناعة الخصوم.
وحين يفشل الخصوم، تبدأ صناعة الحرب.
وحين تطول الحرب ويكثر الخراب، لا يبقى إلا أن يقول: «أنا لم أفعل!»
لكن السودان، يا سيادة الفريق، ليس دفترًا أبيض يمكن محو صفحاته كلما ضاقت بك الحقيقة.
فالحقيقة أصبحت أثقل من كل البيانات.
في الأيام الأخيرة ظهرت تقارير دولية شديدة الخطورة، استندت إلى وثائق وصور ورسائل ومكالمات مسرّبة، وتتحدث عن برنامج سري داخل الجيش السوداني لتطوير ذخائر كيميائية واستخدام الكلور في الحرب.
بل إن تقارير صحفية دولية نسبت إلى مصادرها وجود اتصالات ومواد مرتبطة بكبار الضباط وبسلسلة القيادة العسكرية.
وهنا يصبح السؤال أكبر من البرهان نفسه: من الذي قاد هذه الحرب؟
ومن الذي جعل الحرب مشروع دولة؟
ومن الذي أقنع السودانيين بأن الخراب طريق الخلاص؟
ليس المطلوب أن يصدر البرهان بيانًا آخر يتهم فيه الآخرين.
فالسودان لم يعد يحتمل بيانات الهروب.
لقد سئم الناس خطابًا يقوم على التضليل والكذب.
فهذه ليست أخلاقيات القيادة.
هذه محاولة مستمرة للهروب من المسؤولية.
فلماذا، إذن، كلما اشتدت الأسئلة على البرهان، عاد إلى الأسطوانة القديمة التي «يلوك» فيها حديثه الماسخ: الحرية والتغيير لم تتعاون معنا؟
فأي منطق هذا؟
إذا كانت الحرية والتغيير قد قالت إنها لا تريد الحرب أصلًا، فإن اتهامها بأنها لم تتعاون في إشعالها يصبح أشبه بأن تتهم رجلًا بأنه لم يساعدك في إحراق منزله!
وهذه شهادة براءة للحرية والتغيير دون أن تدري.
وهل المطلوب من القوى المدنية أن تتعاون مع الحرب حتى تصبح وطنية؟
وهل السلام خيانة، بينما الحرب وطنية؟
فهنا بالضبط ينكشف جوهر الأزمة.
لقد حاول الخطاب العسكري أن يجعل من الحرب قدرًا لا مفر منه، ثم جعل من نفسه صاحب الحق الحصري في تعريف الوطنية.
فمن يرفض الحرب يصبح خائنًا، ومن يطالب بالسلام يصبح متآمرًا، ومن يسأل عن المسؤولية يصبح عدوًا للجيش.
وهذه هي النقطة التي ظللنا نحذر منها، إذ لا يمكن أن تُبنى الحرية بالعنف، ولا يمكن أن يُصنع الإنسان الحر بعقلية القهر.
فالدولة التي تقوم على السلاح لا تتحول إلى دولة بمجرد أن يضع الجنرال فوق رأسه لقب «رئيس».
والسلطة التي تأتي من فوهة البندقية لا تصبح شرعية لمجرد أن صاحبها ألقى خطابًا عن السيادة.
يا برهان، لقد انتهت الحيلة.
فالترشح لن يمنحك الشرعية.
والانتخابات التي تأتي بعد الحرب لن تمحو آثار الحرب.
والخطابات لن تعيد الموتى.
والبيانات لن تعيد الخرطوم إلى أهلها.
والاتهامات لن تغسل يدًا من المسؤولية.
أما حكاية اختراق هاتف الزعيم فتلك قصة أخرى، فحواها أن في عصر التكنولوجيا، لم تعد هناك حيلة لإخفاء الحقيقة.
والتقارير الأخيرة توضح ذلك، إذ تقول إن جزءًا من الأدلة جاء من مواد اتصالات وهواتف لمسؤولين عسكريين.
لكن القضية ليست هاتف البرهان.
إنما القضية هي السودان.
السودان الذي صار مسرحًا لحرب لا تنتهي.
السودان الذي شُرّد أهله، ودُمرت مدنه، وانتهكت مؤسساته، وتحوّل فيه المواطن من صاحب وطن إلى نازح يبحث عن مأوى.
السودان الذي كان يمكن أن يبدأ طريقًا جديدًا بعد ثورة ديسمبر، فإذا به يعود إلى مربع البندقية.
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجه البرهان ليس: «من سيرشحك؟» بل: من سيحاسبك؟
والفرق بين السؤالين هو الفرق بين دولة القانون ودولة الجنرال.
أما أنت، يا برهان، فقد ظللت تبحث عن كرسي السلطة حتى صار الكرسي نفسه متهمًا في هذه الجريمة.
تريد أن تصبح رئيسًا؟
لكن السودانيين يحتاجون أولًا إلى أن يعرفوا: رئيسًا على ماذا؟
على بلدٍ ممزق؟
على مدنٍ مدمرة؟
على ملايين النازحين؟
على المقابر؟
على الخوف؟
على الكراهية؟
على اقتصاد أنهكته الحرب؟
على جيل كامل تعلم أن السياسة تعني البندقية؟
أي رئيسٍ هذا؟
فمن يفشل في حماية الإنسان لا تنقذه كل ألقاب السلطة.
لذلك نقولها بلا مواربة: السودان لا يحتاج إلى جنرال آخر فوق رأسه؛ السودان يحتاج إلى إنسان حر، ودولة حرة، ومواطن حر.
ولا يحتاج إلى انتخابات تُجرى فوق أنقاض الحرب لتمنح الحرب شهادة ميلاد جديدة.
بل يحتاج إلى سلام حقيقي، وعدالة حقيقية، ومحاسبة حقيقية، ثم طريق ديمقراطي لا يكون فيه السلاح ناخبًا، ولا الجنرال مرشحًا مفروضًا، ولا الحرب برنامجًا انتخابيًا.
يا برهان، ربما استطعت أن تؤجل الحقيقة.
لكن لا أحد يستطيع أن يهزم الحقيقة إلى الأبد.
والحقيقة الآن تقول إن السودان دفع ثمنًا باهظًا لهذه الحرب، وأن مسؤولية القادة لا تسقط بتبادل الاتهامات، وأن كل من كان في موقع القرار مطالب بأن يجيب أمام الشعب والتاريخ والقانون عن أفعاله وقراراته.
والتقارير الدولية الأخيرة تجعل هذه الأسئلة أكثر إلحاحًا، لا أقل.
فلا تقل إنك لم تطلب الترشيح.
فالسودانيون، قد عرفوا شيئًا واحدًا على الأقل: أن الرجل الذي أراد أن يمسك بالسلطة باسم الحرب، انتهى إلى أن تصبح الحرب نفسها أكبر شاهدٍ عليه.
وباختصار شديد: البرهان الذي أراد أن يحكم السودان بالحرب… أحرق السودان بالحرب.
ولذلك، في لغة السودانيين البسيطة:
البرهان ألعوبة الكيزان «وَرْطان».

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.