لم يعد الموت في السودان حادثاً طارئاً أو قدرًا محتومًا يأتي في أجله الطبيعي، بل تحول إلى تفصيل يومي رخيص يُفرض على المواطن الأعزل في بيته، ومستشفاه، ومتجره. إن حالة “الموت المجاني” التي يستثمر فيها القتال الراهن ليست وليدة اللحظة، بل هي الثمرة المرة لعقود من التجييش والأيديولوجيا الإقصائية التي زرعتها جماعة الإخوان المسلمين في شرايين الدولة ومؤسساتها، حتى أضحت بحق آفة هذا العصر في تاريخنا الحديث.
لقد قامت أدبيات هذا التيار على تقسيم المجتمع بين “موالٍ” يُمنح الحق في الحياة والسلطة، و”مخالف” يُستباح دمه وأرضه تحت شعارات براقة. وبدلاً من بناء دولة المواطنة والعدالة، جرى تفكيك النسيج الاجتماعي لصالح التمكين السياسي والعقائدي. وكانت النتيجة المباشرة لهذا النهج هي تحويل السلاح الوطني إلى أداة لحسم الصراعات الداخلية، واستسهال إزهق أرواح الأبرياء دون رادع أخلاقي أو قانوني.
إن قراءة المسار الاجتماعي والسياسي للبلاد تحت وطأة هذا الفكر تكشف عن أبعاد متداخلة للكارثة: تدمير المفهوم الوطني للخدمة: جرى استبدال المعايير المهنية في مؤسسات الدولة بالولاء الأيديولوجي، مما أفقد الجهاز التنفيذي والعسكري قدرته على حماية جميع المواطنين بأسلوب حيادي. إهدار قيمة الإنسان: أدى الاستقطاب الحاد وتكفير الآخر أو تخوينه إلى جعل الفقد البشري مجرد أرقام تقريرية تسقط في زحام الأجندات السياسية. تغليب الخيار العسكري: الاستهانة بالحلول السلمية والتفاوضية لصالح الحسم بالقوة المميتة، مما أدخل البلاد في دائرة مفرغة من الحروب الأهلية والنزاعات المسلحة.
إن الخروج من هذه المأساة لا يبدأ فقط بوقف إطلاق النار، بل يتطلب مواجهة فكرية وسياسية شاملة للنهج الإقصائي الذي أوصل البلاد إلى هذا الدرك. لا يمكن إعادة بناء السودان إلا عبر استرداد القيمة المقدسة لحياة الإنسان، وتأسيس دولة قانون تقف على مسافة واحدة من جميع أبنائها، وتضع حداً نهائياً لسياسة الموت المجاني.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.