لماذا تُستغل الأسلحة الكيميائية.. في مواجهة الشعوب؟

نورا عثمان

 

 

في تاريخ النزاعات المسلحة، تظل أسوأ الفجائع تلك التي يكون فيها السلاح الموجه إلى صدر المواطن الأعزل مدموغاً بشعار المؤسسة الوطنية المفترض بها حمايته. السؤال الذي يتردد على ألسنة ملايين السودانيين اليوم -في وجع صامت ومكتوم- ليس مجرد استغراق في الألم، بل هو استفسار عن خط نهاية هذه المأساة: إلى متى يستمر قتل المواطنين باسم السيادة والمؤسسية؟

 

إن التحولات التي شهدتها ساحات المعارك في السودان، وما ترافق معها من اتهامات دولية وميدانية متكررة باستخدام أسلحة غير تقليدية أو مواد كيميائية سامة، تضعنا أمام أزمة أخلاقية وسياسية عميقة. استخدام الأسلحة الكيميائية أو تحوير المواد الصناعية كالكلور لاستعمالها في النزاعات ليس مجرد خطأ تكتيكي، بل هو مؤشر على خلل صريح في منظومة الردع والالتزام بالقانون الدولي الإنساني.

 

إن التفسير العسكري والسياسي للجوء أي طرف عسكري إلى الأسلحة المحرمة دولياً يكمن في عدة عوامل:لاكسر التوازن التكتيكي: عندما تعجز القوات التقليدية عن تحقيق حسم ميداني سريع في المواجهات المباشرة أو معارك المدن المتشابكة، تبرز الأسلحة الكيميائية كأداة لفرض التفوق دون الحاجة لاقتحامات برية مكلفة.لاحرب الرعب والنفسية: لا يقتصر أثر الأسلحة السامة على الأذى الجسدي المباشر، بل يمتد لزرع حالة من الذعر الشديد بين الطرف الآخر والمجتمعات المحلية، مما يدفع إلى إخلاء المناطق والمواقع بسرعة. غياب المساءلة والمحاسبة: تجد الجيوش في المناطق النائية أو أثناء الحروب الأهلية المعقدة فرصة للاستفادة من صعوبة التوثيق الميداني والتحقيق المستقل، مما يشجع على غض الطرف عن العواقب القانونية الدولية. بينما تتصارع القوى العسكرية والسياسية، يبقى المواطن السوداني هو المكتوي الأول بنار هذه الحرب. إن استنزاف القدرات الوطنية، وتدمير البنية التحتية، وتعريض حياة المدنيين لأخطار المواد السامة، لا يسفر إلا عن تعميق الفجوة بين الشعب ومؤسسات الدولة. إن حماية أروقة الوطن لا تتم عبر تحويل أرضه إلى ساحة تجارب للمواد القاتلة، ولا بإنكار التقارير والاستحقاقات الإنسانية. إن أي استراتيجية لا تضع حياة الإنسان السوداني وكرامته في مقدمة الأولويات هي استراتيجية خاسرة، وتستوجب وقفة مراجعة حقيقية قبل أن تفقد الدولة ما تبقى من نسيجها الاجتماعي وأهليتها الأخلاقية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.