حين يسرق الجار جاره..

هشام محمد شريف

 

 

الجيل الذي يتعلم الحرب قبل المدرسة

 

(4___6)

الجيل الذي يتعلم الحرب قبل المدرسة قد يحمل آثارها معه إلى المستقبل.

 

الحرب الطويلة لا تصنع بالضرورة جيلاً شريراً.

 

لكنها قد تصنع جيلاً معتاداً على الشر.

 

وهذا فرق بالغ الأهمية.

 

الطفل الذي يرى العنف باستمرار قد يفقد حساسيته تجاهه. والإنسان الذي يسمع كل يوم عن القتل والاغتصاب والنهب قد يصبح أقل صدمة عندما يسمع خبراً جديداً.

 

ومع الزمن، يتحول الاستثناء إلى قاعدة نفسية.

 

وتؤكد اليونيسف أن الأطفال في السودان يواجهون، إلى جانب القتل والإصابة والنزوح، مستويات متزايدة من الخوف والقلق والصدمات النفسية. وفي النصف الأول من عام 2026 وحده، أُبلغ عن مقتل أو إصابة ما لا يقل عن 330 طفلاً.

 

لكن الأرقام، مهما كانت فادحة، لا تقيس شيئاً آخر أكثر عمقاً:

 

كم طفلاً تغيّر داخلياً؟

 

كم طفلاً أصبح لا يثق في الغريب؟

 

كم طفلاً فقد الإحساس بالأمان؟

 

كم طفلاً تعلّم أن القوة أهم من القانون؟

 

وكم منهم سيحمل هذه الدروس معه إلى مرحلة الرشد؟

 

هذه الأسئلة لا تظهر في إحصاءات الضحايا، لكنها ربما تكون أكثر أهمية عندما نفكر في السودان الذي سيأتي بعد الحرب.

 

فالطفل الذي يعيش سنوات من الخوف لا يحتاج فقط إلى أن ينجو جسدياً. يحتاج إلى بيئة تعيد إليه معنى الأمان، وتعلمه أن الاختلاف لا يعني العداء، وأن القوة ليست بديلاً عن الحق، وأن الإنسان لا يفقد كرامته بسبب انتمائه.

 

ولا تقف آثار الانهيار الأخلاقي عند حدود النهب والعنف المباشر.

 

فالحرب تضغط على الأسرة نفسها.

 

الأب يفقد عمله.

 

الأم تتحمل مسؤوليات مضاعفة.

 

الأطفال يكبرون في غياب أحد الوالدين أو كليهما.

 

والنزوح يفرض على العائلات أن تعيش في ظروف غير مستقرة، بينما يؤدي الفقر وانعدام الأمان إلى ظهور أنماط جديدة من الزواج المبكر والاستغلال والاتجار والعنف القائم على النوع الاجتماعي.

 

وتشير خطط الاستجابة الإنسانية لعام 2026 إلى تصاعد مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي والزواج القسري والاتجار بالبشر والاستغلال، خصوصاً بين النساء والفتيات المتضررات من النزوح والحرب.

 

وهنا تصبح الحرب أكثر من معركة على الأرض؛ إنها ضغط مستمر على الأسرة باعتبارها المؤسسة الأولى التي تنتج القيم.

 

فالأسرة التي كانت تعلم الطفل احترام الكبير، ومساعدة المحتاج، وحفظ حق الجار، واحترام ملكية الآخرين، تجد نفسها اليوم تكافح من أجل توفير الطعام والماء والأمان.

 

وحين يصبح البقاء هو الأولوية المطلقة، تتراجع أحياناً القيم التي تحتاج إلى الاستقرار لكي تنمو.

 

لكن هل انهار الشعب السوداني أخلاقياً؟

 

ربما يكون من الظلم أن نقول ذلك بهذه القطعية.

 

فالسودان الذي أنتج النهب والقتل والانتهاكات، أنتج أيضاً شيئاً آخر في الوقت نفسه: لجاناً شعبية، ومبادرات تطوعية، وشبكات لإطعام النازحين، وأطباء يعملون في ظروف خطرة، ومعلمين يواصلون تعليم الأطفال، وأسر تفتح بيوتها للغرباء، وأشخاصاً يقتسمون ما تبقى لديهم مع من لا يملكون شيئاً.

 

وهذه الصورة الثانية مهمة بقدر أهمية الصورة الأولى.

 

لأنها تقول إن الحرب لم تنتصر بعد على الأخلاق السودانية بالكامل.

 

لكن السؤال يبقى: هل تكفي هذه المقاومة الأخلاقية الصامتة وحدها لوقف مسار الانهيار؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.