الحضور المزلزل لانقلاب الإنقاذ

 طلعت محمد الطيب

 

من بيوت الأشباح وحتى استخدام السلاح المميت

كان انقلاب الإنقاذ عام 1989م كارثياً بكل المقاييس فيما يتعلق بحقوق الإنسان السوداني. فقد بدأ بفصل وتشريد الآلاف من الكفاءات الوطنية، ثم أقام بيوت الأشباح التي تعرض فيها الخصوم السياسيون لأسوأ أنواع التنكيل والحط من كرامة الإنسان، وذلك في إطار سياسات التمكين وقمع المعارضين السياسيين.

وقد دفع هذا التوحش الراحل الطيب صالح إلى كتابة مقالته الشهيرة: «من أين أتى هؤلاء؟ بل من هم هؤلاء؟»، بعد أن صدمته قسوة الممارسات التي شهدها السودان آنذاك.

ثم جاء الراحل الخاتم عدلان، في محاولة لتقييم الزلزلة التي أحدثها الإسلاميون في المشهد السوداني، ولتفسير ما كان يحدث من قتل وتعذيب وتصعيد للحروب والعنصرية والكراهية، فوصف الإخوان المسلمين بأنهم «تنظيم يعتبر عصارة مركزة لسوءاتنا جميعاً».

لكن الحضور المزلزل للإنقاذ لم يبدأ في 1989م. فقد كانت الحركة الإسلامية السودانية قد طورت، منذ وقت مبكر، علاقة ملتبسة بالعنف السياسي، ونجحت تدريجياً في ابتزاز المجتمع المدني والأحزاب السياسية، حتى قبل وصولها إلى السلطة.

لماذا لم أندهش؟

حين كنت طفلاً في بداية مراحل التعليم، في نظام تعليمي يغلب عليه التلقين وقسوة العقاب البدني، كنت ماراً بسوق عطبرة الكبير. كانت تلك أيام انتخابات 1968م، إبان الديمقراطية الثانية.

كان مرشح جبهة الميثاق الإسلامي جزاراً اسمه، على ما أذكر، محمد أحمد أبو دقن، وكان رمزه الانتخابي «الديك». وفوجئت أثناء مروري بعمال السكة الحديد وهم يطلقون أجراس دراجاتهم ويحاكون صوت الديك استهزاءً بالمرشح.

لم يرق لي المشهد آنذاك. كنت طفلاً، ولم أفهم الصراع السياسي، لكنني تساءلت: كيف يمكن أن يتعرض هذا المسلم لمثل هذه السخرية؟

وفي إحدى جلسات الكبار، وخلال ونسة عن السياسة، سمعت أحدهم يقول إن الأطباء والقضاة والمحامين كلهم شيوعيون. وظل هذا القول سؤالاً آخر في داخلي.

ثم كبرت ودخلت الجامعة. وفي عام 1980م، شهدت طلاب الاتجاه الإسلامي وهم ينتظمون في كتائب جهادية ويحملون السيخ لضرب خصومهم السياسيين من الطلاب. وكان لي رأي ناقد في تلك الممارسات، لأنني كنت أتعامل مع العنف باعتباره قضية لا يجوز تبريرها لمجرد أنها تصدر عن الجماعة التي ننتمي إليها.

ولهذا أصبحت، مع آخرين كثيرين، هدفاً لهم.

وحين يتم تصنيفك وتصبح مستهدفاً، تختلف حياتك الجامعية تماماً. تفقد شيئاً أساسياً لا يدرك قيمته إلا من فقده: الشعور بالأمان.

وهذا إحساس لا يرغب الغالبية العظمى من الناس في أن يبتلوا به، ولذلك يختار كثيرون السلامة والصمت.

وهنا، في تقديري، تكمن إحدى أهم أدوات العنف السياسي: فهو لا يستهدف الضحية وحدها، وإنما يرسل رسالة إلى الآخرين أيضاً: هذا ما سيحدث لكم إذا تجاوزتم الخطوط التي نرسمها.

بهذه الطريقة نجحت الحركة الإسلامية في ابتزاز المجتمع المدني المتسامح، وفي دفع قطاعات واسعة إلى الصمت، حتى تمكنت في النهاية من الوصول إلى السلطة بانقلاب الإنقاذ على الديمقراطية الثالثة.

وهنا فقط بدأت أفهم، وأنا أكبر سناً، موقف عمال السكة الحديد في عطبرة من مرشح جبهة الميثاق الإسلامي. لم تكن تلك السخرية مجرد حادثة معزولة؛ كانت، ربما، تعبيراً مبكراً عن صراع أعمق لم أكن قادراً على فهمه وأنا طفل.

وبالمثل، استطعت لاحقاً أن أفهم لماذا كان بعض الناس يصفون المتعلمين من قضاة ومحامين وأطباء بأنهم شيوعيون، رغم مكانتهم الكبيرة في مجتمع كان فيه الطبيب والمحامي والقاضي من أندر الكفاءات وأكثرها احتراماً.

لقد تعلمت لاحقاً أن علاقة الحزب الشيوعي بالنقابات المهنية كانت تقوم، في مراحل معينة، على وجود «فراكشنات» حزبية تعمل على توجيه العمل النقابي بما يخدم أجندة الحزب السياسية. وقد أدى ذلك، في تقديري، إلى إضعاف مظهر الحياد النقابي، وإلى الإضرار بصورة المتعلم ومكانته السياسية في المجتمع، رغم ندرة هؤلاء المتعلمين وتقدير الناس الكبير لهم مهنياً.

العنف كأداة لإعادة تشكيل المجتمع

لم يكن العنف، في التجربة الإسلامية السودانية، مجرد وسيلة لإسكات المعارضة مؤقتاً. فقد تحول، مع الوقت، إلى أداة لإعادة تشكيل سلوك المجتمع نفسه.

العنف المفرط لا يقتل أو يعذب أو يهزم الخصم فحسب؛ بل يمكن أن ينتج صدمة نفسية (psychological trauma) تكسر إرادته، وتدفع الآخرين إلى مراقبة أنفسهم وتجنب الصدام.

ومن هنا تصبح سياسة «العصا والجزرة» أكثر فعالية: العصا لمن يرفض، والجزرة لمن يقبل أو يتكيف.

وعندما تقترن هذه السياسة باحتكار مقدرات الدولة وخيراتها، يصبح من السهل ترويض قطاعات من المجتمع، خصوصاً في أوقات الأزمات الاقتصادية والاجتماعية القاسية.

ولذلك فإن بيوت الأشباح ليست مجرد صفحة منفصلة في تاريخ الإنقاذ، كما أن الحروب التي اندلعت في الأطراف ليست أحداثاً منفصلة عن طبيعة المشروع السياسي. إنها حلقات في مسار واحد: استخدام القوة والخوف لإخضاع المجتمع وإعادة تشكيل المجال السياسي.

ومن هذه الزاوية، يصبح من المفهوم لماذا لا أستطيع أن أنظر إلى ما يُنسب اليوم إلى الجيش والفلول من استخدام أسلحة كيميائية أو غيرها من الأسلحة المحرمة دولياً باعتباره حدثاً لا صلة له بالماضي.

إذا تأكدت بصورة نهائية ومستقلة الاتهامات المتعلقة باستخدام غاز الكلور في الحرب الحالية، فإن المسألة لا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها تطوراً عسكرياً جديداً، وإنما باعتبارها امتداداً لمنظومة أوسع اعتادت، عبر عقود، التعامل مع العنف باعتباره أداة مشروعة لإخضاع الخصوم.

وقد سبق ذلك استخدام البراميل المتفجرة والقصف الجوي للقرى والمناطق المدنية في جنوب كردفان ودارفور، وما صاحب الحروب هناك من انتهاكات واسعة بحق المدنيين.

ما الذي يعنيه ذلك للمستقبل؟

كثير من النقاش الدائر اليوم ينشغل بالسؤال: ماذا سيحدث بعد الحرب؟ ومن سيحكم السودان؟ وكيف سيكون شكل الدولة؟

لكن هناك سؤالاً أعمق ربما ينبغي أن نطرحه:

هل يمكن بناء مستقبل مختلف من دون مواجهة الإرث النفسي والسياسي للعنف الذي مارسته الإنقاذ ومنظومتها طوال عقود؟

فالمشكلة ليست فقط في السلاح الذي استخدم في الحرب، وإنما في الثقافة السياسية التي جعلت استخدام السلاح والعنف والإذلال وسيلة مقبولة لتحقيق الأهداف السياسية.

ومن هنا أفهم، بحكم تجربتي الشخصية، لماذا أجد نفسي أكثر تعاطفاً وتقديراً لشباب قوات تأسيس الذين تحملوا القصف والإرهاب، وما يُقال عن استخدام السلاح الكيميائي، ببسالة منقطعة النظير.

لقد عشت، وأنا طالب، تجربة أن تكون مصنفاً ومستهدفاً من طلاب الاتجاه الإسلامي، وكنت أشعر، في كل مرة تتفجر فيها أحداث العنف، بمرارة أكبر من مجرد الخوف على نفسي.

كان أشد ما يؤلمني هو موقف غالبية الطلاب والطالبات الذين كانوا يتعاملون مع الأمر بلا اهتمام، بل يصل بهم الأمر أحياناً إلى مساواة الضحية بالجلاد وتحميل الطرفين المسؤولية عن العنف.

ولذلك فإن تقديري لمن وقفوا اليوم في مواجهة العنف ليس موقفاً سياسياً مجرداً؛ إنه، إلى حد كبير، موقف إنساني تشكل من تجربة شخصية قديمة.

وهذا، في تقديري، من حقهم علينا.

من حقنا أن نعترف بتضحياتهم وشجاعتهم في مواجهة تنظيم وقوات مسلحة تمتلك ترسانة ضخمة من السلاح، وتستند إلى إرث طويل من التعبئة القائمة على الكراهية والبغضاء والعنصرية.

فالاعتراف بتضحياتهم لا يعني منحهم صكاً على بياض، ولا يعني أن نحول أي قوة مسلحة إلى بديل دائم للدولة.

لكنه يعني شيئاً أبسط وأكثر إنسانية:

أن نقف إلى جانب الضحية عندما يكون واضحاً من الذي بدأ باستخدام العنف، وأن نرفض مساواة من يدافع عن نفسه بمن اختار إخضاع المجتمع بالقوة.

فالسودان لن يخرج من هذه الكارثة بمجرد توقف إطلاق النار.

سيحتاج إلى مواجهة إرث طويل من الخوف، والتصنيف، والإقصاء، والعنف السياسي.

وإذا لم نفعل ذلك، فسوف تتغير أسماء الذين يحملون السلاح، بينما يبقى الحضور المزلزل للإنقاذ قائماً في حياتنا السياسية والنفسية، حتى بعد سقوط نظامها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.