في عيد المهندس الزراعي.. ثماني عشره مشكلة تضع مشروع السوكي أمام مسؤولية الإنقاذ
طارق محمد أحمد الفكي
في التاسع من سبتمبر، وفي عيد المهندس الزراعي، لا ينبغي أن تكون المناسبة مجرد تهنئة عابرة، فالاحتفاء بالمهندس الزراعي يعني الاحتفاء بالزراعة نفسها، وبالمزارع والأرض والمياه والإنتاج. ولذلك فإن أفضل ما يمكن أن نقدمه في هذه المناسبة هو أن نضع واقع مشروعاتنا الزراعية أمام المسؤولية، وأن نفتح الملفات التي تحتاج إلى إصلاح حقيقي.
وفي مقدمة هذه الملفات يأتي مشروع السوكي الزراعي، أحد المشروعات القومية التي تمتلك إمكانات كبيرة، لكنها تواجه مشكلات متراكمة لم تعد تعالج بالحلول الجزئية أو الوعود العامة. والمقصود هنا ليس توجيه الاتهام إلى أشخاص أو جهات، وإنما تشخيص الواقع، والمطالبة بالمراجعة والشفافية والمساءلة وفق القانون والوثائق.
وهذه أبرز ثماني عشره مشكلة وقضية تحتاج إلى المعالجة ضمن رؤية واحدة لإنقاذ المشروع.
أولاً: الإدارة والقيادة
تبدأ الأزمة من ضعف الرؤية الإدارية والتخطيط والمتابعة والتنفيذ، مع تراكم أخطاء إدارات متعاقبة وتداخل الاختصاصات والمسؤوليات. كما أن انشغال بعض القيادات بمهام ولجان خارج صميم العمل الزراعي، وغياب بعض مديري الأقسام عن مواقعهم وضعف الحضور الميداني، أضعفا قدرة الإدارة على متابعة المشروع والاستجابة لمشكلاته.
وتبرز كذلك فجوة بين خطط إنقاذ المشروع المعلنة وما يراه المزارع على الأرض، مع ضعف المساءلة المرتبطة بمؤشرات إنجاز واضحة. أما ما يثار حول الفساد الإداري والمالي، فيجب أن يخضع للمراجعة والتحقق والمساءلة عبر الوثائق والجهات المختصة، بعيداً عن الاتهام المجرد.
ثانياً: الري والصرف
يبقى الري والصرف أكثر الملفات تأثيراً في حياة المشروع. فهناك تهالك في طلمبات الري وانخفاض كفاءتها، وضعف في منظومة الري، وترع متأثرة بالإطماء والحشائش والأشجار والنباتات التي تعيق حركة المياه، وكسورات في الشبكة، وتهدم بعض الجسور.
كما تحتاج المنشآت المائية إلى الصيانة والتأهيل، مع وجود قناطر ومنظمات مائية خارجة من الخدمة، وضعف متابعة الميجر والمناسيب والتصرفات، وعدم كفاية التطهير والصيانة قبل الموسم أو الآليات المخصصة لذلك، فضلاً عن تأثير انقطاع الكهرباء على عمليات الري.
وتوجد كذلك فجوة بين الاحتياجات المائية والمساحات المزروعة، وقد أُشير إلى أن نسبة الاحتياج المائي وفق المساحات المزروعة تبلغ 41%، وهي مسألة تحتاج إلى تقييم فني دقيق.
أما الصرف الزراعي، فيعاني من ضعف الشبكة وعدم كفاية التطهير، والإطماء والحشائش والاختناقات، بما يؤدي إلى غرق بعض المساحات وتضرر المحاصيل. وهنا تظهر المفارقة الصعبة: مساحات تعاني العطش وأخرى تعاني الغرق داخل المشروع نفسه، بما يكشف خللاً في إدارة منظومة المياه والري والصرف ككل.
ثالثاً: الأقسام
تشمل منظومة المشروع تكتوك، و12 سالمة، و18 مهلة، وود أونسة، والمشكلة ليست في قسم منفرد وإنما في منظومة مترابطة.
وتظهر المشكلات في تفاوت وصول المياه، ووجود مساحات مزروعة وأخرى عطشى، وأخرى غارقة، إلى جانب مساحات واسعة بقيت بوراً، مع ضعف الصيانة والخدمات وتراجع بيئة العمل والسكن وتدهور المباني والمنشآت القديمة.
رابعاً: الإنتاج الزراعي
انعكست هذه الأوضاع على الإنتاج بصورة مباشرة؛ فتراجعت المساحات المزروعة، وخرجت مساحات من دائرة الإنتاج، وانخفضت الإنتاجية والإنتاج الكلي، وغابت أو تراجعت محاصيل أساسية.
فالقطن غاب لعدة مواسم، وتراجعت الذرة الرفيعة والفول السوداني وعباد الشمس وفول الصويا، كما انعدمت الخضر والفواكه والبساتين. ومع مرور المشروع بـ ستة مواسم زراعية عجاف، أصبح من الضروري طرح سؤال واضح: هل يتناسب الإنتاج الحالي مع الإمكانات الكبيرة لمشروع قومي بحجم السوكي؟
خامساً: التمويل والمدخلات
يعاني المزارع من ضعف التمويل وتأخره وعدم وصوله في بداية الموسم، في وقت ارتفعت فيه تكلفة الزراعة، فأصبح يتحمل جزءاً كبيراً من تكلفة الإنتاج ومخاطره.
وتشمل المشكلة أيضاً توفير التقاوي المحسنة، والأسمدة، ومنها اليوريا، والوقود بصورة منتظمة، إضافة إلى أن المزارع الفرد لا يستطيع تحمل تكلفة إصلاح شبكة الري والصرف، وهي بنية تتجاوز قدرته المالية.
سادساً: الآليات والهندسة والورش
تدهورت الآليات الزراعية والهندسية، وخرج بعضها من الخدمة، مع نقص آليات التطهير والصيانة وضعف وسائل الحركة. كما تدهورت الورش وتعطلت معدات ضرورية، ولم تعد القدرة التشغيلية كافية للاستجابة السريعة للكسورات والأعطال.
ومن ثم فإن إعادة تأهيل الورش وإعادة الآليات الصالحة إلى الخدمة ليست مسألة فنية هامشية، بل شرط أساسي لاستعادة قدرة المشروع على الصيانة والاستجابة.
سابعاً: البنية التحتية
تتسع المشكلة لتشمل المباني القديمة والمنشآت الإدارية والخدمية ومكاتب الري والكباري والمنشآت المرتبطة بالري والمنشآت الهيدروليكية.
كما تراجع الإنتاج والخدمات بالمشروع، انعكس ذلك على النشاط التجاري والخدمي في المنطقة، لأن تراجع الإنتاج الزراعي يعني بالضرورة تراجع الاقتصاد الذي يدور حوله.
ثامناً: الأصول القومية
يحتاج ملف الأصول إلى حصر شامل وتوثيق للملكية ووضع قانوني وفني واضح. ومن القضايا المطروحة سكنات الموظفين والعمال التي أصبحت مأهولة بأشخاص لا علاقة وظيفية لهم بالمشروع، وما إذا كان هناك أساس قانوني لأي تخصيص أو تنازل أو تصرف فيها.
كما تبرز الحاجة إلى التحقق من أي تصرف في القناطر والمنشآت الهيدروليكية بالسجلات والوثائق، لا بمجرد الاتهام اصبحت الآن تحت تصرف اشخاص يزرعونها سنويا ومعرفة وضع مكاتب الري الخارجة من الخدمة، والوضع القانوني والفني لمحلج القطن، وما تبقى من معداته، إضافة إلى حصر الورش ومعداتها والمخازن ومحتوياتها.
المشكلة الأساسية هنا هي غياب صورة موحدة ومنشورة عن حالة أصول المشروع.
تاسعاً: محلج القطن والبساتين
تراجع الدور التشغيلي لمحلج القطن، ولذلك يحتاج إلى تقييم إنشائي وفني، وجرد للآلات والمعدات، وتحديد وضعه ضمن أصول المشروع والجهة المسؤولة عنه.
أما البساتين، فقد تقلصت مساحاتها وتراجعت إنتاجيتها وخرجت أجزاء منها من النشاط الزراعي، مع عدم وضوح مصير بعض المساحات التاريخية والحاجة إلى معرفة الوضع القانوني لأي تغيير في استخدامها.
وهذا لا يعني فقدان أرض زراعية فحسب، بل فقدان نشاط كان يوفر الخضر والفواكه وفرص العمل ويحرك الأسواق.
عاشراً: الإنتاج الحيواني
يظل الإنتاج الحيواني من الملفات غير المستغلة بما يكفي. فهناك ضعف أو غياب للدور الفعلي للقسم رغم وجوده في الهيكل، وتساؤلات حول أثره الحقيقي داخل المشروع.
وتحتاج السوكي إلى استغلال الثروة الحيوانية كمسار إنتاجي واستثماري، من خلال تسمين العجول وإنتاج الألبان وتحسين السلالات بما يتناسب مع إمكاناتها.
الحادي عشر: الإرشاد والتقانة والوقاية
يعاني المشروع من ضعف الحضور الإرشادي الميداني، والحاجة إلى ربط الإرشاد بالمزارع مباشرة، ونقل التقانات الحديثة عبر برامج عملية وحقول إيضاحية.
كما أن المتابعة الفنية للمحاصيل وبرامج الوقاية الزراعية تحتاج إلى تعزيز، مع ضرورة وجود خطة واضحة للوقاية والتحرك المبكر لحماية المحاصيل من الآفات، بدلاً من انتظار المشكلة بعد انتشارها.
الثاني عشر: الشراكات والاستثمار
المطلوب ليس مجرد زيادة عدد الشراكات، وإنما بناء شراكات إنتاجية تضيف إلى المشروع. فهناك شراكات لم يظهر أثرها على الأرض بالصورة المتوقعة، وتثار ملاحظات حول شراكات استهلكت البنية التحتية بدلاً من تطويرها.
ولهذا يجب أن تكون الحقوق والالتزامات واضحة، مع معرفة حجم الاستثمار الفعلي في كل شراكة، وما قدمته للمشروع مقابل ما استفادت منه، ومدى تناسب حجم الاستثمار مع الإمكانات الكبيرة للسوكي.
الثالث عشر: الموارد والميزانية والشفافية
من حق أصحاب المصلحة معرفة حجم الموارد التي دخلت المشروع ومصادرها وأوجه صرفها والأعمال المنفذة مقابل الأموال المصروفة ونسب الإنجاز.
كما يجب كشف موارد الجهات والمنظمات الداعمة وأثرها الفعلي على الأرض، لأن ضعف الشفافية المعلوماتية وغياب كشف حساب مؤسسي واضح يصعّبان تقييم الأداء ومعرفة أين ذهبت الموارد وما الذي تحقق.
وهنا يجب التأكيد أن المطالبة بالشفافية ليست اتهاماً لجهة بعينها، وإنما هي حق مؤسسي ووسيلة لحماية المال العام وتصحيح المسار.
الرابع عشر: المزارعون
في نهاية كل هذه الملفات يقف المزارع، وهو الطرف الذي يتحمل نسبة كبيرة من مخاطر الإنتاج؛ يمول ويزرع في ظل منظومة ري وصرف متعثرة، ويواجه ارتفاع التكلفة وخسائر الغرق والعطش وتأخر المياه.
وقد أدى ذلك إلى خروج مساحات من الزراعة وتراجع الثقة نتيجة الفجوة بين الوعود والواقع، فضلاً عن عدم حصول المزارع دائماً على الخدمات التي يحتاجها في الوقت المناسب.
ويضاف إلى ذلك تشتت قيادات المزارعين، وهو ما يحتاج إلى معالجة تعيد توحيد الصوت الزراعي وتنظم مشاركته في قضايا المشروع.
الخامس عشر: التسويق والنشاط الاقتصادي
لم يكن السوكي مجرد مشروع لإنتاج المحاصيل، بل كان محركاً اقتصادياً للمنطقة. ولذلك فإن تراجع النشاط التجاري والخدمات المصاحبة للإنتاج، وضعف الاستفادة من الأسواق وسلاسل القيمة، وعدم استغلال الإنتاج في التصنيع، كلها عوامل ساهمت في تراجع الدور الاقتصادي للمشروع.
السادس عشر: التخطيط والبيانات
لا يمكن إدارة مشروع بهذا الحجم من دون بيانات دقيقة. وهناك حاجة إلى خريطة متكاملة لشبكة الري والصرف، وتحديد مواقع المشكلات بالكيلومتر، وأطوال الترع والمصارف المتضررة، وحجم الإطماء والحشائش، والآليات المطلوبة، وساعات العمل، ونسبة الإنجاز، والأعمال المتبقية، وموعد إنجاز كل عمل.
فالخطة الحقيقية ليست عنواناً أو تصريحاً؛ إنها أرقام ومواقع ومسؤوليات ومواعيد ونسب إنجاز.
في عيد المهندس الزراعي.. من التشخيص إلى الفعل
هذه المشكلات لا ينبغي أن تبقى مجرد قائمة جديدة تضاف إلى قوائم سابقة، وإنما يجب أن تتحول إلى برنامج إنقاذ قابل للقياس.
فالمهندس الزراعي يحتاج إلى أن يكون في الميدان، مزوداً بوسيلة حركة وأدوات وخرائط وبيانات وبيئة عمل مناسبة. والمزارع يحتاج إلى مياه ومدخلات وتمويل وإرشاد وخدمات تصل في الوقت المناسب.
المهندس يريد أن يعمل، والمزارع يريد أن ينتج.
ولهذا فإن إنقاذ السوكي يبدأ من إصلاح الإدارة، وتأهيل الري والصرف، وإعادة الآليات والورش إلى الخدمة، وحماية الأصول، وتوفير التمويل والمدخلات، وتفعيل الإرشاد والإنتاج الحيواني، وتنظيم الشراكات، وتعزيز الشفافية، وإشراك المزارعين، وربط كل عمل بمسؤول وموعد ومؤشر إنجاز.
في عيد المهندس الزراعي، لا نريد مناسبة للتهنئة فقط، بل فرصة لفتح ملف جاد حول مستقبل مشروع السوكي.
لا نريد المزيد من الوعود؛ نريد أن نعرف: ماذا سيُصلح؟ أين؟ متى؟ من المسؤول؟ كم التكلفة؟ وما نسبة الإنجاز؟
فالمزارع لا يريد أن يسمع أن الترعة ستُطهّر، بل يريد أن يرى الآلية داخلها. ولا يريد أن يسمع أن المياه ستصل، بل يريدها أن تصل إلى أرضه في موعدها.
إنقاذ السوكي ليس خدمة للمهندس وحده، ولا للمزارع وحده؛ إنه حماية لمشروع قومي واقتصاد منطقة ومستقبل أجيال.
🌱 نهنئ المهندس الزراعي في عيده… ونرفع معه صوت مشروع السوكي.
🇸🇩 حفظ الله السودان وأهله، ونصر جنده، وردّ إليه أمنه واستقراره وعافيته.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.