دراسة في المسار العملياتي، تطور استخدام القوة، وسلسلة القيادة والمسؤولية
مقدمة:
يحتل سجل عبد الفتاح البرهان في دارفور موقعاً مهماً في قراءة مساره داخل المؤسسة العسكرية السودانية، لأن سنوات الحرب التي قضاها في الإقليم جاءت في مرحلة أعادت فيها القيادة العسكرية تعريف التعامل مع التمرد ومحيطه الاجتماعي والجغرافي. منذ اندلاع النزاع عام 2003، اتسعت العمليات الحكومية لتشمل القصف الجوي والهجمات البرية وحرق القرى والتهجير، وتداخلت القوة النظامية مع تشكيلات محلية في إدارة مناطق العمليات، وهي وقائع وثقتها تقارير الأمم المتحدة وهيومن رايتس ووتش ومنظمات حقوقية أخرى بدرجات مختلفة من التفصيل. البرهان كان ضابطاً في تلك المؤسسة وخدم في دارفور خلال السنوات الأولى للحرب، ثم واصل صعوده في هرم القيادة حتى أصبح قائداً للقوات المسلحة ورأس الدولة بعد 2019.
أهمية هذه الخلفية لا تتعلق بمجرد وجوده في الإقليم، فقد كان دارفور في تلك الفترة مدرسة عمليات حقيقية لكبار الضباط: حرب مفتوحة، مساحة واسعة، خطوط تماس متغيرة، بيئة قبلية معقدة، اعتماد على الإسناد الجوي، وتداخل مستمر بين الهدف العسكري والمجال السكاني. لذلك فإن فحص تلك المرحلة يوفر مدخلاً لفهم الخبرة التي انتقلت مع البرهان من مستوى الميدان إلى مستوى القيادة العليا، وما تركته تلك الخبرة من أثر في تقدير التمرد، واستخدام القوة، وإدارة المناطق المضطربة. وتزداد أهمية هذا الفحص مع عودة ملف الأسلحة المحظورة إلى الواجهة في الحرب الحالية، بعد تقارير وتحقيقات حديثة تحدثت عن استخدام الكلور خلال الفترة 2024–2025؛ إذ يصبح من الضروري وضع هذه الادعاءات ضمن تسلسل زمني واضح يفصل بين الوقائع المثبتة، والأدلة قيد التحقق، والمسؤولية التي يمكن إسنادها إلى مستويات القيادة المختلفة. التقرير لا يفترض مسبقاً نتيجة التحقيق، وإنما يتتبع الوقائع ومسار القيادة وتطور أدوات الحرب، بحثاً عن الصلة التي يمكن إثباتها بين الخبرة الميدانية القديمة وطريقة إدارة القوة عندما انتقل البرهان إلى قمة هرم القرار.
1 . التكوين العملياتي للبرهان في دارفور
لا يبدأ فهم موقع عبد الفتاح البرهان داخل القيادة العسكرية من عام 2019، فقد سبقت صعوده السياسي سنوات طويلة من الخدمة في مسارح العمليات. تشير المصادر المتاحة إلى أنه أُرسل إلى دارفور في السنوات الأولى من الحرب التي اندلعت عام 2003، وظل مساره المهني مرتبطاً بالإقليم خلال تلك المرحلة، قبل أن يصل بحلول عام 2008 إلى موقع قيادة إقليمية. وتقدم هذه المعلومة مفتاحاً مهماً لقراءة تكوينه المهني، لأن دارفور لم تكن في تلك السنوات جبهة تقليدية ذات خطوط تماس ثابتة، فقد كانت عمليات واسعة ومتحركة في مساحة جغرافية شاسعة، تتداخل فيها القوة الجوية مع الوحدات البرية، وتتحرك فيها القوات الحكومية داخل بيئة اجتماعية وقبلية شديدة التعقيد. كانت طبيعة المهمة في دارفور تفرض على الضابط التعامل مع أكثر من مستوى في وقت واحد: تحديد مناطق نشاط الحركات المسلحة، حماية الطرق والمراكز العسكرية، إدارة الانتشار في مناطق واسعة، والتعامل مع سكان يعيشون في مناطق يتداخل فيها النشاط المسلح مع الحياة المدنية. وقد اتسمت العمليات الحكومية في السنوات الأولى باستخدام القصف الجوي إلى جانب الهجمات البرية، فيما وثقت هيومن رايتس ووتش عمليات شاركت فيها القوات الحكومية وتشكيلات مسلحة موالية لها، شملت إحراق القرى والقتل والتهجير وتدمير الممتلكات. لذلك كانت الخبرة التي تتشكل في ذلك المسرح مختلفة عن خبرة الضابط الذي يعمل في مواجهة عسكرية محددة؛ إنها خبرة تقوم على إدارة مساحة عمليات واسعة ومفتوحة، وعلى تقدير العلاقة بين السيطرة على الأرض والسيطرة على حركة السكان. وتشير بعض المصادر الصحفية إلى أن البرهان خدم أيضاً في جنوب دارفور ضمن مساره في القوات البرية، كما تربط مصادر أخرى خدمته في تلك السنوات بمواقع داخل منظومة حرس الحدود. الثابت بدرجة أكبر هو وجوده في دارفور خلال السنوات الأولى للحرب، ثم صعوده إلى مستوى قيادة إقليمية بحلول 2008؛ وهذه وحدها واقعة ذات دلالة في تقييم مساره، لأنها تضعه في قلب مرحلة تشكلت فيها خبرته القيادية قبل انتقاله لاحقاً إلى المناصب العليا في الجيش.
من زاوية تحليل المسار القيادي، تكمن أهمية دارفور في أن البرهان لم يمر بها كضابط عابر، فقد انتقل من الخدمة في مسرح العمليات إلى مستوى قيادي أعلى داخل الإقليم، ثم واصل الصعود في المؤسسة حتى أصبح رئيساً لأركان الجيش في فبراير 2018، قبل أن يتولى قيادة القوات المسلحة لاحقاً. هذا التدرج يعني أن دارفور كانت جزءاً من مرحلة تكوينه قبل وصوله إلى مركز القرار، وأن تجربته هناك سبقت انتقاله إلى مستويات تتيح له التأثير في التخطيط والقيادة وتوزيع القوة على نطاق الدولة. لذلك ينبغي النظر إلى سنوات دارفور باعتبارها جزءاً من السجل العملياتي للبرهان، مع الحفاظ على الفاصل الضروري بين إثبات وجوده في مسرح حرب شهد انتهاكات موثقة وبين إثبات مسؤوليته الشخصية عن واقعة محددة؛ فالأول تؤيده المصادر المتاحة، أما الثاني فيحتاج إلى وثائق أو شهادات تحدد موقعه في سلسلة الأمر والقرار في كل واقعة على حدة .
2 . نمط إدارة العمليات الحكومية في دارفور
اتخذت العمليات الحكومية في دارفور، منذ اتساع الحرب عام 2003، نمطاً يقوم على الجمع بين القوة الجوية والهجوم البري وتوسيع نطاق السيطرة على الأرض، مع اعتماد متزايد على عمليات تؤثر في التجمعات السكانية المحيطة بمناطق نشاط الحركات المسلحة. وثقت هيومن رايتس ووتش في تقريرها الصادر عام 2004 استخدام طائرات أنتونوف والمروحيات في القصف، أعقبته في حالات عديدة هجمات برية نفذتها القوات الحكومية ومجموعات مسلحة موالية لها، وانتهت بإحراق قرى وقتل مدنيين ونهب الممتلكات ودفع السكان إلى الفرار. ووصف التقرير نمطاً متكرراً من العمليات يجمع بين القصف الجوي والهجوم الأرضي، مع استهداف مناطق مدنية لا تتوافر فيها في كثير من الحالات معايير التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين. كما وثقت تقارير الأمم المتحدة خلال السنوات اللاحقة استمرار الغارات الجوية في مناطق مأهولة، ومنها هجمات جوية على منطقة جبل مرة. اللافت في هذا النمط أن القوة الجوية لم تكن مجرد وسيلة إسناد للوحدات البرية، فقد أصبحت في عدد من العمليات أداة لتهيئة المجال أمام التقدم الأرضي وإجبار السكان على مغادرة مناطقهم. وبعد القصف تأتي القوات البرية لتثبيت السيطرة، بينما يؤدي تدمير القرى ومصادر المياه والغذاء والممتلكات إلى إضعاف قدرة السكان على العودة والاستقرار. بهذه الطريقة يتحول الأثر السكاني للعملية إلى عنصر من عناصر نتائجها الميدانية. وتظهر تقارير هيومن رايتس ووتش أن التهجير لم يكن أثراً عارضاً في كثير من الهجمات، فقد تكرر مع إحراق القرى وتدمير الممتلكات، وأصبح النزوح واسع النطاق إحدى أبرز نتائج الحرب في الإقليم.
ومع استمرار النزاع، ظهرت وسائل أكثر عشوائية في استخدامها داخل المناطق المأهولة، ومن بينها البراميل المتفجرة. وقد وثقت تقارير حقوقية استخدام القوات الحكومية لهذه الذخائر في دارفور خلال عمليات لاحقة، بما في ذلك هجمات في جبل مرة، حيث كانت الذخائر تلقى من الطائرات على مناطق لا تتيح طبيعتها السكانية والجغرافية ضمان إصابة هدف عسكري محدد. وتكمن أهمية هذه الوسيلة في دلالتها العملياتية: عندما تستخدم القيادة سلاحاً واسع التأثير في بيئة مدنية، فإن هامش الخطأ يرتفع بصورة كبيرة، ويصبح تقدير الأضرار الجانبية جزءاً أساسياً من تقييم القرار العسكري نفسه. وقد ارتبطت عمليات من هذا النوع بقتل مدنيين وإحراق مساكن وتهجير سكان، وهي وقائع دفعت هيئات دولية وحقوقية إلى وصف بعض الهجمات بأنها انتهاكات للقانون الدولي الإنساني .
وتشير هذه الوقائع مجتمعة إلى أن إدارة العمليات في دارفور لم تكن قائمة على الاشتباك مع القوة المسلحة وحدها، فقد امتدت إلى البيئة التي تتحرك فيها تلك القوة، بما فيها القرى والطرق ومصادر الإمداد والمجتمعات المحلية. هذا الاتساع في تعريف المجال العملياتي يفسر جانباً من الحجم الاستثنائي للنزوح الذي شهدته دارفور، كما يفسر استمرار آثار الحرب بعد توقف كثير من المعارك في مناطق بعينها فالقرية التي أُحرقت أو أُخليت تفقد وظيفتها كمجتمع مستقر، ويصبح النزوح جزءاً من خريطة السيطرة الجديدة. وقد شكلت هذه الممارسات أحد العناصر التي استندت إليها التحقيقات الدولية في توصيف طبيعة الجرائم المرتكبة في دارفور، مع ضرورة التمييز دائماً بين توثيق نمط عمليات واسع وبين إثبات مسؤولية قائد محدد عن كل واقعة منفردة.. وفي قراءة المسار العسكري للبرهان، تكتسب هذه البيئة العملياتية أهميتها من كونها المسرح الذي تبلورت فيه خبرته المبكرة قبل انتقاله إلى مستويات القيادة العليا. لا توجد قيمة تحليلية في افتراض أنه أصدر شخصياً كل أمر قصف أو شارك في كل عملية موثقة؛ القيمة تكمن في معرفة المؤسسة التي عمل داخلها، ونمط العمليات الذي كان قائماً، وموقعه في التسلسل القيادي خلال الفترات التي خدم فيها. تحديد المسؤولية الشخصية يحتاج إلى أدلة مرتبطة بكل عملية، أما دراسة البيئة العملياتية فتسمح بفهم نوع الخبرة التي حملها الضباط من دارفور إلى مواقع القيادة اللاحقة. ومن هذه الزاوية يصبح القصف الجوي، والعمليات البرية، والتهجير، والذخائر واسعة الأثر عناصر في سجل واحد ينبغي فحصه زمنياً قبل الانتقال إلى السؤال الأكثر حساسية: كيف تطورت قواعد استخدام القوة داخل المؤسسة، ومن كان يملك سلطة تحديد حدودها ومراجعة نتائجها؟
3 . تفكيك البيئة الاجتماعية للصراع لم تُدار حرب دارفور على أساس مواجهة مباشرة بين القوات الحكومية والحركات المسلحة وحدها. مع اتساع العمليات خلال عامي 2003 و2004، دخلت البنية الاجتماعية والقبلية للإقليم في صلب طريقة إدارة الصراع، وتحولت العلاقات المتوترة حول الأرض والمياه ومسارات الرعي إلى مورد يمكن تعبئته لخدمة المجهود الحربي. توثق هيومن رايتس ووتش أن الحكومة عملت على تجنيد وتسليح مجموعات قبلية محلية، خصوصاً من بعض القبائل العربية، وربطت هذا التجنيد بمواجهة الحركات المسلحة والمجتمعات التي خرجت منها تلك الحركات. وتوضح التقارير أن هذا المسار استفاد من نزاعات اجتماعية كانت قائمة أصلاً، ثم نقلها من مستوى الاحتكاك المحلي إلى مستوى أكثر اتساعاً وتسليحاً. كان التسليح هنا يتجاوز توفير بندقية لمقاتل محلي. فقد تحدثت تقارير حقوقية عن توفير أسلحة وذخائر وأجهزة اتصال ورواتب وملابس عسكرية لقيادات وأفراد من المليشيات، كما كشفت وثائق حكومية حصلت عليها هيومن رايتس ووتش عن توجيهات بتقديم المؤن والذخيرة إلى قيادات مليشيات وإلى ما وصفته الوثائق بـالقبائل الموالية. هذه المعطيات تكشف انتقال الدولة من الاعتماد الكامل على القوة النظامية إلى بناء شبكة قوة محلية مرتبطة بالعمليات الحكومية، تستطيع التحرك داخل المجال القبلي والاجتماعي الذي يصعب على القوات النظامية السيطرة عليه بالوسائل التقليدية وحدها. أخذ هذا الأسلوب بعداً أكثر خطورة عندما أصبح الانتماء الاجتماعي مؤشراً يُستخدم في تحديد مناطق الاستهداف والضغط. فقد وثقت هيومن رايتس ووتش أن القرى التابعة لمجموعات الفور والمساليت والزغاوة تعرضت لهجمات متكررة، وأن العمليات لم تقتصر على البحث عن مقاتلين أو مواقع عسكرية، بل امتدت إلى حرق القرى وتدمير مخازن الغذاء ومصادر المياه ونهب الماشية ودفع السكان إلى مغادرة مناطقهم. وفي بعض المناطق استمرت المليشيات في منع النازحين من العودة، الأمر الذي جعل السيطرة على الأرض نتيجة مباشرة لإعادة تشكيل تركيبة السكان فيها. وتظهر التقارير كذلك أن التسليح المحلي خلق تفاوتاً كبيراً في ميزان القوة داخل المجتمعات نفسها. فمجموعات الدفاع الأهلي التي نشأت في بعض القرى كانت محدودة التسليح، في حين حصلت المليشيات المدعومة حكومياً على أسلحة آلية وقذائف وأسلحة أثقل. بهذا التفاوت أصبحت القرية الواقعة في منطقة نزاع أمام قوة قادرة على تنفيذ هجوم متحرك، بينما تملك المجتمعات المستهدفة قدرة محدودة على حماية سكانها وممتلكاتها. النتيجة لم تكن عسكرية فقط فقد أدى اختلال ميزان القوة إلى تفكيك قدرة المجتمع الريفي على البقاء في مكانه، ودفع أعداد كبيرة من السكان إلى المدن والمعسكرات ومناطق أكثر أمناً. ومن زاوية قراءة بنية القرار، تكمن أهمية هذا المسار في أن استخدام القوة المحلية وسّع مجال العمليات إلى ما وراء حدود الوحدات العسكرية النظامية. المليشيا تعرف الأرض، وتعرف مسارات الحركة ومناطق الرعي ومواقع القرى، وتملك روابط مباشرة مع البيئة التي تتحرك داخلها. وعندما تتزامن هذه المعرفة مع الإسناد الجوي والعمليات البرية للقوات الحكومية، تتحول البنية القبلية من عامل اجتماعي في النزاع إلى جزء من منظومة السيطرة على المجال. وقد وثقت هيومن رايتس ووتش حالات كانت فيها العمليات الجوية والاستطلاع يتبعها هجوم بري مشترك، ثم تنتشر عناصر مسلحة حول المناطق التي أُفرغت من سكانها وتتحكم في حركة الأشخاص والبضائع. الأكثر دلالة أن هذا الأسلوب لم ينشأ في فراغ. تشير تقارير حقوقية إلى وجود سوابق لاستخدام مليشيات قبلية في الحروب السودانية السابقة، خصوصاً في جنوب السودان، ثم جرى نقل هذا النموذج إلى دارفور في ظروف مختلفة. الفارق الذي أحدثته حرب دارفور هو حجم التعبئة، واتساع نطاق التسليح، ودخول القوة الجوية والقوات النظامية في عمليات متداخلة مع القوات المحلية. لذلك يمكن قراءة ما حدث بوصفه تحولاً في طريقة السيطرة على مسرح العمليات: الدولة لا تتحرك بقواتها وحدها، فقد أصبحت تستثمر في الانقسامات المحلية وتعيد ترتيب موازين القوة داخل المجتمع بما يخدم أهداف الحملة العسكرية.
وفي تقييم سجل البرهان في تلك المرحلة، تظل هذه النقطة ذات أهمية خاصة. وجوده في دارفور خلال السنوات الأولى للحرب يعني أن تكوينه المهني تشكل داخل بيئة عمليات كانت فيها القوة النظامية والطيران والتشكيلات المحلية تتحرك ضمن مسرح واحد. هذا الواقع مهم لفهم الخبرة التي انتقلت معه لاحقاً إلى مواقع القيادة العليا، مع ضرورة الفصل بين معرفة نمط العمليات الذي ساد المؤسسة خلال فترة خدمته في الإقليم وبين إسناد قرار محدد إليه شخصياً فإثبات المسؤولية الفردية عن عملية بعينها يحتاج إلى تحديد موقعه في سلسلة القيادة والأوامر والقدرة الفعلية على التأثير في القرار وقت وقوعها. 4 .البرهان داخل منظومة القيادة تحديد مسؤولية عبد الفتاح البرهان عن وقائع دارفور يتطلب أولاً تحديد موقعه الفعلي داخل منظومة القيادة في السنوات التي خدم فيها بالإقليم. وجود الضابط في مسرح العمليات لا يجعله تلقائياً مسؤولاً عن كل ما وقع فيه، كما أن إثبات وقوع انتهاكات واسعة النطاق لا يكفي وحده لإسناد كل واقعة إلى قائد بعينه. المسألة تتعلق بموقع الضابط في سلسلة القيادة، ونطاق الصلاحيات التي كان يمارسها، وطبيعة العمليات التي كانت تقع تحت إشرافه، ومدى علمه بما يجري، وقدرته على إصدار الأوامر أو منعها أو اتخاذ إجراءات ضد مرتكبي الانتهاكات. تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في حالة دارفور، لأن لجنة الأمم المتحدة الدولية للتحقيق في دارفور وثقت وجود هيكل قيادة واضح للقوات المسلحة السودانية، يبدأ من القيادة العليا ويمتد عبر وزارة الدفاع ورئاسة الأركان والقيادات العسكرية الإقليمية. وأكدت اللجنة أن القيادة والسيطرة المركزية كانت عنصراً أساسياً في إدارة العمليات، خصوصاً مع اتساع الاعتماد على القوات الجوية وإعادة توزيع وحداتها وفق تطورات الميدان. كما أشارت إلى أن العمليات المشتركة بين القوات الحكومية والتشكيلات المسلحة المحلية يمكن أن تنشئ مسؤولية على مستويات مختلفة، متى ثبتت عناصر السيطرة الفعلية والأمر أو التخطيط أو العلم وعدم اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع الانتهاكات أو معاقبة مرتكبيها. هذه القاعدة تساعد على قراءة موقع البرهان بصورة أكثر دقة. السؤال لا ينبغي أن يكون: هل كان البرهان موجوداً في دارفور عندما وقعت الانتهاكات؟ فوجوده في الإقليم خلال تلك المرحلة ثابت في مساره المهني. السؤال الأدق هو: ما الوحدة التي كان يقودها في كل فترة، ولمن كان يرفع تقاريره، وما القرارات التي كانت تدخل ضمن اختصاصه، وهل امتلك في واقعة محددة سلطة فعلية على القوات التي ارتكبتها؟ هذه الأسئلة هي التي تنقل البحث من المسؤولية السياسية العامة إلى المسؤولية القيادية القابلة للإثبات.
وتكشف الدراسات الحقوقية التي تناولت هيكل القوات الحكومية في دارفور أن العمليات لم تكن تتحرك بصورة عشوائية. كانت هناك قيادة عسكرية إقليمية، ووحدات مشاة، وقوات جوية، وتنسيق بين عناصر مختلفة أثناء الهجمات. وقد وثقت هيومن رايتس ووتش وجود مستويات متعددة من القيادة، وأشارت إلى أن بعض قادة السرايا والكتائب والألوية والفرق يمكن أن تترتب عليهم مسؤولية عن جرائم ارتكبتها قوات تحت قيادتهم، مع إقرارها في الوقت نفسه بعدم قدرتها على تحديد جميع القادة الذين شاركوا في العمليات المختلفة. وهنا يظهر الفارق بين المسؤولية الشخصية والمسؤولية الناشئة عن الموقع القيادي المسؤولية الشخصية تحتاج إلى رابط محدد بين الشخص والفعل: إصدار أمر، أو المشاركة في التخطيط، أو الموافقة على عملية مع العلم بطبيعتها، أو تقديم المساعدة التي أسهمت بصورة مباشرة في تنفيذها. أما المسؤولية القيادية فتقوم على علاقة السيطرة الفعلية بالقوات، مع العلم أو ما كان ينبغي للقائد أن يعلمه عن الجرائم، ثم الإخفاق في اتخاذ الإجراءات المعقولة التي كانت متاحة له لمنعها أو وقفها أو إحالتها للتحقيق. وهذا المبدأ لا يفترض أن القائد كان موجوداً في مكان الجريمة، ولا يجعله مسؤولاً عن كل فعل يرتكبه مرؤوسوه بصورة تلقائية.
وتزداد أهمية هذا التمييز عند دراسة البرهان لأن موقعه تغير مع الزمن. ضابط يعمل في مسرح العمليات يمتلك نطاقاً من السلطة يختلف عن قائد إقليمي، وقائد إقليمي يختلف موقعه عن رئيس الأركان، ورئيس الأركان يختلف عن القائد العام للقوات المسلحة. لذلك لا يصح إسقاط المسؤوليات التي ترتبت على موقعه في مراحل لاحقة على وقائع حدثت في مراحل سابقة من دون تحديد التسلسل الوظيفي لكل واقعة. وفي المقابل، فإن تطور موقعه داخل المؤسسة العسكرية يجعل دراسة السنوات السابقة ذات قيمة في فهم خبرته العملياتية وصلاته بسلسلة القيادة التي صعد فيها لاحقاً. المؤشر الأكثر أهمية هو القدرة الفعلية على التأثير في العمليات. فكلما ارتفع موقع القائد واتسع نطاق سيطرته، اتسعت معه قدرته على إصدار التعليمات، وتخصيص القوات، واعتماد العمليات، والحصول على المعلومات، واتخاذ إجراءات بعد وقوع الانتهاكات. ولذلك فإن إثبات المسؤولية لا يعتمد على الرتبة وحدها، فقد يكون قائد برتبة أقل صاحب سلطة مباشرة على وحدة نفذت جريمة، بينما قد يحتاج إسناد المسؤولية إلى قائد أعلى إلى إثبات العلم والسيطرة الفعلية والقدرة على التدخل. وبالنسبة إلى البرهان تحديداً، فإن ما يمكن إثباته من السجل المتاح هو وجوده ضمن المؤسسة العسكرية التي أدارت عمليات دارفور خلال سنوات الحرب الأولى، ثم صعوده داخل هرم القيادة إلى مواقع أكثر تأثيراً. أما نسبة عملية محددة إليه شخصياً، أو القول إنه أصدر أمراً باستخدام وسيلة معينة ضد مدنيين، فتحتاج إلى مستوى مختلف من الأدلة: أوامر مكتوبة، سجلات عمليات، شهادات مباشرة، اتصالات، تقارير ميدانية، أو أدلة أخرى تربط القرار به بصورة واضحة. غياب هذه الأدلة في المصادر العلنية لا يبرئه من المسؤولية، كما أن وجوده في الإقليم وحده لا يكفي لإدانته بواقعة محددة. التقدير الاستراتيجي هنا أن قيمة سجل دارفور في حالة البرهان لا تكمن فقط في البحث عن واقعة يمكن نسبتها إليه، وإنما في إعادة بناء المسار الذي انتقل من خلاله ضابط ميداني في بيئة حرب إلى موقع أصبح فيه جزءاً من مركز القرار الوطني. هذا المسار يسمح بفحص تطور سلطته، واتساع نطاق معلوماته، وتغير قدرته على التأثير في العمليات، ثم مقارنة ذلك بما حدث في مراحل لاحقة. وعند هذه النقطة يصبح البحث في المسؤولية أكثر دقة: فصل ما يمكن إثباته عن البرهان شخصياً، عما يمكن نسبته إلى المؤسسة التي خدم فيها، وما يمكن أن تترتب عليه مسؤولية قيادية بحكم السلطة والسيطرة الفعلية في كل مرحلة.
5.تطور أدوات القوة واستمرار النمط تكشف المقارنة الزمنية بين مراحل الحرب في دارفور أن أدوات استخدام القوة تغيرت مع تطور السلاح وطبيعة الميدان، فيما ظلت بعض السمات العامة حاضرة بدرجات متفاوتة. ففي السنوات الأولى للحرب، وثقت هيومن رايتس ووتش اعتماد القوات الحكومية على القصف الجوي بطائرات الأنتونوف والمروحيات والطائرات المقاتلة، يتبعه في حالات عديدة هجوم بري على القرى والمناطق المحيطة بها. كما وثقت استخدام ما وصفته بـالبراميل المتفجرة التي كانت تُلقى من طائرات الأنتونوف، إلى جانب عمليات إحراق واسعة للقرى وتدمير مصادر المياه والمطاحن والممتلكات، بما أدى إلى إفراغ مناطق ريفية كاملة من سكانها وهذه اشرنا اليها سابقا.
في تلك المرحلة كان التفوق الجوي يؤدي وظيفة تتجاوز إحداث الخسائر المباشرة. القصف كان يسبق أحياناً تحرك القوات البرية، والاستطلاع الجوي كان يستخدم قبل الهجمات وبعدها، ثم تأتي عمليات الأرض لتثبيت نتائج الهجوم وإجبار السكان على مغادرة المنطقة. هذا التسلسل تكرر في عدد من الوقائع التي حققتها هيومن رايتس ووتش، حتى أصبح القصف والاقتحام البري والحرق والنزوح حلقات متتابعة داخل عملية واحدة. ولذلك فإن الأداة الجوية ينبغي أن تُقرأ ضمن منظومة أوسع للسيطرة على المجال، لا كسلاح منفصل عن بقية عناصر العملية وهذا ايضا ذكرناها في سياق سابق .
مع مرور السنوات ظهرت أدوات وتشكيلات جديدة، وتغيرت طبيعة العمليات، لكن بعض خصائص هذا الأسلوب ظلت تظهر في تقارير لاحقة. ففي عامي 2014 و2015 وثقت هيومن رايتس ووتش هجمات واسعة على قرى في دارفور، شملت الحرق والقتل والاغتصاب والنهب والتهجير، كما وثقت في عام 2015 استمرار القصف الجوي للقرى والبلدات، بما في ذلك حادثة في جبل مرة تحقق فيها فريق من بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، وخلص إلى سقوط قتلى وجرحى وتدمير منازل نتيجة القصف. وفي عام 2016 تحدثت المنظمة عن استمرار الهجمات الجوية والبرية على مناطق مأهولة وتدمير عشرات القرى ونزوح عشرات الآلاف من السكان. هذه الوقائع لا تسمح وحدها بالقول إن كل عملية لاحقة كانت استمراراً مباشراً لعملية سابقة، ولا تثبت أن القادة الذين ظهروا في مراحل مختلفة اتخذوا القرارات نفسها أو أصدروا الأوامر ذاتها. ما تسمح به المقارنة هو تحديد عناصر متكررة في طريقة إدارة مسارح القتال: الاعتماد على القوة الجوية لضرب مناطق العمليات، استخدام القوات البرية لتثبيت نتائج الهجوم، التعامل مع القرى ومناطق التجمع السكاني باعتبارها جزءاً من بيئة الصراع، ثم ظهور موجات من النزوح وتدمير الممتلكات بعد العمليات. وجود هذه العناصر في فترات زمنية مختلفة يمنحها قيمة في دراسة تطور العقيدة العملياتية، مع ضرورة إبقاء الرابط بين كل واقعة والأدلة الخاصة بها.. وتظهر أهمية هذا التدرج بصورة أكبر عند الانتقال من دارفور في سنوات الحرب الأولى إلى مرحلة القيادة العليا التي وصل إليها البرهان لاحقاً. فالأداة العسكرية تغيرت، وحجم القوة ووسائل الاستطلاع والاتصال تطورت، كما تغيرت طبيعة الخصوم ومناطق الانتشار. مع ذلك، فإن الخبرة التي اكتسبها الضابط داخل مسرح عمليات واسع تظل جزءاً من تكوينه المهني، خصوصاً إذا انتقل بعد ذلك إلى مواقع تمنحه قدرة أكبر على المشاركة في التخطيط وتوزيع القوات وإدارة العمليات. هذه صلة مهنية يمكن بحثها وتحليلها، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن قراراً لاحقاً صدر استناداً إلى تجربة قديمة.
ولهذا ينبغي التعامل مع مسار القوة في دارفور باعتباره سلسلة من الوقائع المتعاقبة التي تحتاج كل مرحلة منها إلى أدلتها الخاصة. القصف الجوي الموثق في 2003 و2004، واستخدام البراميل المتفجرة في تلك الفترة، ثم الهجمات الجوية والبرية وتدمير القرى في السنوات اللاحقة، كلها وقائع موثقة بدرجات مختلفة. ما يحتاج إلى إثبات مستقل هو العلاقة بين هذه الوقائع، وهوية أصحاب القرار في كل مرحلة، ومدى استمرار نمط معين داخل المؤسسة عبر تغير القيادات والظروف السياسية والعملياتية. والتقدير الأهم في هذه المقارنة أن استمرار بعض أدوات القوة لا يعني بالضرورة استمرار الأشخاص أو الأوامر نفسها لكنه يكشف عن قدرة المؤسسة على الاحتفاظ بأساليب معينة في إدارة النزاعات عندما تجدها ملائمة للبيئة العملياتية. لذلك فإن دراسة البرهان تقتضي الانتقال من سؤال هل تكرر الأسلوب؟ إلى سؤال أكثر دقة: ما الذي استمر داخل منظومة القيادة، وما الذي تغير، ومن كان يملك سلطة اعتماد هذه الأدوات في كل مرحلة؟ عند هذه النقطة فقط تصبح المقارنة الزمنية أساساً صالحاً لتقييم المسؤولية القيادية، بدلاً من أن تتحول إلى افتراض مسبق بوجود علاقة سببية بين وقائع تفصل بينها سنوات وظروف مختلفة.
6 . الكلور: من الاتهام إلى الأدلة ملف الأسلحة الكيميائية في السودان يحتاج إلى فصل واضح بين ثلاث مراحل مختلفة: اتهامات ظهرت في دارفور عام 2016، ووقائع نسبت إلى عام 2024 وأدت إلى قرار أمريكي رسمي في 2025، ثم أدلة جديدة ظهرت في 2026 وتقدم لأول مرة مواد أكثر تفصيلاً حول طبيعة البرنامج وآلية الإعداد والاستخدام. هذا التسلسل مهم حتى لا تتحول رواية قديمة غير محسومة إلى حقيقة مكتملة، كما لا يجوز تجاهل أن مستوى الأدلة تغير بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة. في سبتمبر 2016 نشرت منظمة العفو الدولية تحقيقاً قالت فيه إنها جمعت أدلة تشير بقوة إلى استخدام أسلحة كيميائية ضد السكان في منطقة جبل مرة بدارفور خلال العمليات الحكومية التي بدأت في يناير من العام نفسه. اعتمد التحقيق على شهادات ناجين، وصور ومقاطع مصورة، وتحليل للأعراض والإصابات، وذهب إلى احتمال استخدام مواد كيميائية تسبب حروقاً وإصابات جلدية وتنفسية خطيرة. منظمة حظر الأسلحة الكيميائية درست تقرير العفو الدولية في حينه، وأعلنت صراحة في 29 سبتمبر 2016 أنه لا يمكن استخلاص نتيجة من التقرير وحده من دون توفير معلومات وأدلة إضافية. هذه النقطة حاسمة في تقييم ملف 2016: كانت هناك مؤشرات خطيرة وتحقيق حقوقي واسع، لكن لم يصدر في ذلك الوقت إثبات فني دولي نهائي يقرر أن الحكومة السودانية استخدمت سلاحاً كيميائياً في تلك الوقائع.
المرحلة الثانية بدأت مع وقائع عام 2024. في مايو 2025 أعلنت الولايات المتحدة أنها توصلت إلى تحديد رسمي بأن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024، وفرضت على السودان إجراءات بموجب التشريع الأمريكي الخاص بالأسلحة الكيميائية والبيولوجية. القرار الأمريكي كان أكثر تقدماً من الاتهامات السابقة من حيث المستوى الرسمي، لكنه لم ينشر في حينه تفاصيل كافية عن المادة المستخدمة، أو عدد الهجمات، أو المواقع التي جرت فيها، أو الأدلة الفنية التي استند إليها التقييم. لذلك ظل السؤال قائماً حول طبيعة المادة الكيميائية وكيفية استخدامها والجهة التي اتخذت قرار إدخالها في العمليات.
خلال أكتوبر 2025 ظهرت عناصر علنية جديدة عززت فرضية استخدام الكلور تحديداً. هيومن رايتس ووتش راجعت تحقيقاً أجرته فرانس 24 حول حادثتين وقعتا في سبتمبر 2024 بالقرب من قاعدة قري العسكرية ومصفاة الجيلي شمال الخرطوم. التحقيق اعتمد على تحديد مواقع الصور والمقاطع، وتحليل الحاويات التي كانت تستخدم لتخزين الكلور، ومقابلات مع شهود، ومقارنة مواد منشورة من مصادر مؤيدة لأطراف مختلفة في الحرب. وقالت هيومن رايتس ووتش إنها تحققت بصورة مستقلة من تحديد مواقع المقاطع المصورة، وأن إحدى اللقطات أظهرت سحابة صفراء مخضرة تتوافق مع خصائص الكلور. مع ذلك، دعت المنظمة إلى تحقيق فني شفاف تقوده منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وهو ما يعكس استمرار الحاجة إلى التحقق الميداني المباشر. أما التطور الأكثر أهمية فقد ظهر في سبتمبر 2026 مع نشر واشنطن بوست تحقيقاً استند إلى مجموعة كبيرة من الوثائق والصور والمقاطع والرسائل المنسوبة إلى مسؤولين عسكريين سودانيين. المواد التي فحصتها الصحيفة تضمنت ما وصفته بوثائق تتحدث عن ذخائر تحتوي على غاز خانق، ومقاطع لاختبارات لذخائر ينتج عنها بخار أصفر مخضر، ورسائل تشير إلى تخزين أعداد من الذخائر الكيميائية. وقالت الصحيفة إن أكثر من عشرين مسؤولاً وخبيراً غربياً في الاستخبارات والأسلحة الكيميائية ومنظمات حقوقية شاركوا في تقييم المواد، وإنهم اعتبروها أدلة ذات مصداقية على وجود برنامج للأسلحة الكيميائية، مع التأكيد أن الحسم النهائي يحتاج إلى الوصول إلى مواقع التخزين والإنتاج وإلى شهود وأدلة ميدانية مباشرة. كما خلص فحص جنائي رقمي للصور والمقاطع التي راجعتها الصحيفة إلى عدم وجود مؤشرات على التلاعب بها، مع التأكيد أن سلامة الملف الرقمي لا تثبت وحدها صحة كل ادعاء مرتبط به. الأكثر حساسية في هذه المواد يتعلق بسلسلة القيادة. التقرير الصحفي يشير إلى مراسلات بين مسؤولين عسكريين، وإلى مواد تقول إن أحد الضباط الذين نسبت إليهم الصحيفة دوراً رئيسياً في تطوير البرنامج كان على اتصال بمسؤولين كبار، بينهم عبد الفتاح البرهان. كما تحدثت المواد عن رسالة في سبتمبر 2025 تفيد بأن قاعدة عسكرية خُزنت فيها مواد مرتبطة بالبرنامج جرى إفراغها من الآثار والبقايا، وفق الترجمة التي أوردتها الصحيفة، وعن وثيقة تحمل توقيع البرهان في يوليو 2025 تتعلق بتشكيل لجنة للتحقيق في الاتهامات وتضمين ذلك الضابط في التحقيق بدعوى خبرته. هذه المعطيات ترفع مستوى السؤال من مجرد إثبات وجود مادة كيميائية في ساحة القتال إلى البحث في من كان يعلم، ومن كان يتابع، ومن كان يملك سلطة الإقرار أو المنع. لكنها تظل في الوقت نفسه أدلة صحفية واستخبارية المصدر تحتاج إلى اختبار قضائي وفني مستقل قبل تحويلها إلى إثبات نهائي لمسؤولية شخص بعينه. وهنا تظهر نقطة فاصلة في تقييم مسؤولية البرهان, قرار الولايات المتحدة لعام 2025 نسب استخدام الأسلحة الكيميائية إلى حكومة السودان، كما أن البرهان كان في ذلك الوقت القائد الأعلى للقوات المسلحة ورأس السلطة الفعلية في الدولة. هذه الحقيقة تمنحه موقعاً مركزياً في دراسة المسؤولية القيادية، لكنها لا تثبت وحدها أنه أصدر أمراً باستخدام الكلور في واقعة محددة. لكي ينتقل التقييم من مسؤولية الموقع إلى مسؤولية القرار، يجب إثبات عناصر أكثر تحديداً: علم القيادة بوجود البرنامج، طبيعة المعلومات التي وصلت إليها، مستوى السيطرة على الضباط والوحدات التي تولت التجهيز أو الاستخدام، وجود تعليمات بالموافقة أو الاستمرار، ثم ما إذا اتخذت القيادة إجراءات فعلية لمنع الاستخدام أو التحقيق فيه بعد العلم به.
في المقابل، فإن الأدلة الجديدة تجعل اختزال الملف في عبارة اتهامات بلا دليل أمراً لم يعد منسجماً مع تطور المعلومات المتاحة. هناك اتهام رسمي أمريكي، وتحقيقات مستقلة وجدت مؤشرات مادية متوافقة مع استخدام الكلور، ثم مجموعة وثائق وصور ورسائل قالت واشنطن بوست إنها خضعت لمراجعة خبراء ووجدوا فيها مؤشرات قوية على برنامج لإنتاج وتخزين الذخائر الكيميائية. وفي الوقت نفسه لا توجد حتى الآن، في المصادر العلنية المتاحة، نتيجة تفتيش دولي موقعي من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تثبت بصورة نهائية كل حلقات السلسلة: المادة المستخدمة، مواقع التصنيع والتخزين، كل واقعة استخدام، والجهة التي أصدرت الأمر في كل حالة.
الخاتمة
الوقائع المتاحة تضع البرهان داخل مسار مؤسسي تشكل في بيئة عمليات اتسمت باستخدام واسع للقوة وإعادة تشكيل السيطرة على السكان والأرض. لكنها لا توفر، في المصادر العلنية وحدها، أساساً كافياً لإسناد كل عملية إلى قرار شخصي منه. وفي المقابل، فإن انتقاله لاحقاً إلى قمة هرم القيادة يغيّر معيار التقييم؛ إذ تصبح مسألة العلم والسيطرة والقدرة على المنع والتحقيق جزءاً من المسؤولية التي ينبغي فحصها في كل مرحلة. أما ملف الكلور، فقد تجاوز مرحلة الاتهام المجرد إلى مرحلة تستدعي تحقيقاً في القدرة والوسيلة وسلسلة القرار. والحسم هنا لا يحتاج إلى مزيد من السرد التاريخي، وإنما إلى الوصول إلى الوثائق التي تربط القدرة بالقرار.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.