لم تكن العودة إلى السودان بالنسبة لكثير من السودانيين مجرد رحلة إلى الوطن، بل كانت حلماً مؤجلاً، وحنيناً طال انتظاره، ورغبة طبيعية في استعادة حياة سُلبت منهم بفعل الحرب. لذلك، حين ارتفعت أصوات حكومة الأمر الواقع في بورتسودان داعية المواطنين في مصر إلى العودة، استجاب الآلاف، مدفوعين بالأمل في أن تكون الحرب قد ابتعدت، وأن تبدأ البلاد مرحلة جديدة من إعادة الإعمار والاستقرار.
لكن ما حدث بعد العودة كان أقرب إلى صدمة جديدة.
فبدلاً من أن يجد العائدون دولة تفتح لهم أبوابها، وتوفر لهم الحد الأدنى من مقومات الاستقرار، وتساعدهم على إعادة بناء حياتهم، وجد كثير منهم أنفسهم أمام واقع أكثر قسوة: أسعار تتصاعد بلا توقف، ضرائب وجبايات تتكاثر، خدمات منهارة، وغياب واضح لأي سياسة حقيقية لاستيعاب العائدين وتوفيق أوضاعهم.
هكذا تحولت العودة من حلم إلى سؤال مؤلم: لماذا عدنا؟
المشكلة ليست في أن الحرب تركت اقتصاداً مدمراً؛ فهذا أمر يعرفه الجميع. المشكلة أن الجهات التي دعت المواطنين إلى العودة تصرفت وكأن انتهاء المعارك في بعض المناطق يعني انتهاء آثار الحرب، وكأن المواطن الذي أمضى سنوات في اللجوء يستطيع بمجرد عبوره الحدود أن يستعيد منزله وعمله ودخله وحياته الطبيعية.
لكن الوطن لا يُستعاد بالشعارات.
العودة تحتاج إلى دولة مسؤولة، وإلى خطة واضحة: أين سيسكن العائدون؟ كيف سيحصلون على الخدمات؟ كيف سيجدون فرص العمل؟ ماذا عن المدارس والمستشفيات والمياه والكهرباء؟ كيف ستتم حماية مدخراتهم وممتلكاتهم؟ ومن سيعوض من فقد مصدر دخله؟
لا إجابات واضحة.
والأخطر أن المواطن العائد لم يجد فقط غياب الخدمات، وإنما وجد نفسه أمام آلة جباية لا يبدو أنها تعرف أن البلاد خرجت للتو من واحدة من أسوأ الحروب في تاريخها الحديث.
ضرائب هنا، ورسوم هناك، وجبايات تتغير بتغير الجهات والمنافذ، بينما المواطن الذي عاد بما تبقى من مدخراته يكتشف أن ما معه لا يكفي حتى لتأمين احتياجاته الأساسية. وفي الوقت نفسه، تتآكل القوة الشرائية، وترتفع أسعار الغذاء والنقل والسكن والخدمات بصورة تجعل الاستقرار حلماً بعيداً.
أي منطق هذا الذي يدعو مواطناً يعيش في الخارج إلى العودة، ثم يتركه وحيداً في مواجهة اقتصاد منهك؟
إن العودة العكسية التي بدأت تظهر على الحدود السودانية المصرية ليست مجرد حركة أفراد يعانون من الحنين إلى مصر أو يفضلون العيش خارج السودان. إنها، في جوهرها، رسالة سياسية واجتماعية شديدة الوضوح.
المواطن يقول ببساطة: لقد جربنا العودة، ولم نجد الحياة التي وُعدنا بها.
وهذه الرسالة ينبغي أن تصل إلى من يملك القرار في بورتسودان قبل أن تتحول الظاهرة إلى موجة أكبر.
فالدولة التي تطلب من مواطنيها العودة عليها أولاً أن توفر لهم أسباب البقاء. لا يمكن أن تكون العودة مجرد أرقام تستخدم في الخطابات الرسمية لإثبات أن الحياة عادت إلى طبيعتها، بينما العائدون أنفسهم يبحثون مجدداً عن مخرج.
لقد كشفت تجربة العودة أن المشكلة ليست فقط في الحرب، وإنما في طريقة إدارة ما بعد الحرب.
فحتى المناطق التي توقفت فيها المعارك تحتاج إلى إعادة بناء شاملة. والمواطن لا يعيش بالخرائط العسكرية ولا بالبيانات السياسية. هو يحتاج إلى خبز وماء وكهرباء ودواء ومدرسة وعمل وأمان. يحتاج إلى مؤسسة تحترم كرامته، لا إلى جهة تلاحقه بالرسوم والجبايات.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل كانت دعوات العودة مدروسة فعلاً، أم أنها كانت محاولة لإعادة إنتاج صورة الاستقرار قبل أن تتوفر شروطه؟
إذا كانت الدولة عاجزة عن توفير الحد الأدنى للعائدين، فإن دعوتهم إلى العودة تتحول، من حيث النتيجة، إلى نوع من التضليل، حتى لو لم يكن ذلك هو القصد المعلن.
لا أحد يرفض عودة السودانيين إلى وطنهم. بالعكس، عودة المواطنين ينبغي أن تكون واحدة من أهم أولويات أي سلطة وطنية. لكن العودة الآمنة والكريمة ليست شعاراً يُرفع، بل مشروعاً متكاملاً يحتاج إلى موارد وخطط ومؤسسات وإرادة سياسية.
أما أن يعود المواطن ثم يواجه الغلاء والجبايات وانهيار الخدمات، فهذا يعني أن الدولة تطلب منه أن يتحمل وحده فاتورة حرب لم يخترها، ثم تدفعه مرة أخرى إلى الهجرة عندما يعجز عن تحمل نتائجها.
وهنا تكمن المفارقة الأكثر مرارة: السوداني الذي خرج من بلاده هرباً من الحرب، عاد بحثاً عن الوطن، ثم وجد نفسه مضطراً إلى مغادرته مرة أخرى بسبب قسوة الحياة. إنها ليست عودة عكسية فحسب؛ إنها صفعة لفكرة أن الحرب انتهت وأن الحياة عادت إلى طبيعتها.
قبل أن تطلب حكومة بورتسودان من المزيد من السودانيين العودة، عليها أن تسأل نفسها سؤالاً واحداً: ماذا أعددنا لهم؟ إذا كانت الإجابة لا تتجاوز البيانات والخطب، فالحدود ستظل شاهدة على المشهد الأكثر حزناً: سودانيون يدخلون الوطن بأحلام العودة، ثم يخرجون منه مرة أخرى بحثاً عن الحد الأدنى من الحياة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.