من يمثل الإعلام في لقاء البرهان؟ غياب أصوات ديسمبر يفتح باب التساؤلات حول عودة الواجهات القديمة إلى المشهد الإعلامي

تقرير – عين الحقيقة

أثار التنوير الصحفي الذي عقده قائد الجيش السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، مع عدد من الإعلاميين والصحفيين، تساؤلات حول طبيعة الحضور ومعايير اختيار المشاركين، في ظل غياب عدد من الأصوات الصحفية التي كان لها حضور بارز خلال ثورة ديسمبر، إلى جانب غياب إعلاميين اتخذوا لاحقًا مواقف مؤيدة للقوات المسلحة بعد اندلاع الحرب.
ولا تتعلق هذه التساؤلات بحق قائد الجيش في لقاء الصحفيين والإعلاميين؛ فهذا حق للسلطة وللصحافة على حد سواء، وإنما تتعلق بصورة الإعلام التي ظهرت في اللقاء، وما إذا كانت تمثل بالفعل التعدد السياسي والمهني داخل الوسط الصحفي السوداني.
من جلس أمام البرهان؟
أعاد اللقاء إلى الواجهة سؤالًا قديمًا حول علاقة السلطة بالإعلام، ومعايير اختيار الصحفيين الذين يُسمح لهم بالوصول المباشر إلى القيادة السياسية والعسكرية. وبحسب المشهد الذي ظهر خلال اللقاء، غلب على الحضور عدد من الأصوات التي عُرفت بمواقفها المعارضة لثورة ديسمبر، أو كانت أقرب إلى الخط السياسي والإعلامي للنظام السابق، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة الحديث عن احتمال عودة بعض الواجهات القديمة إلى المجال العام.
وهنا يبرز سؤال يتجاوز اللقاء نفسه:
هل تكشف تركيبة الحضور عن إعادة تشكيل للمشهد الإعلامي بما يتوافق مع التحالفات التي أفرزتها الحرب؟
بل إن الأمر يعيد طرح واحدة من أكثر السرديات السياسية إثارة للجدل في السودان: هل كانت الحرب، ضمن أهداف أطرافها أو نتائجها السياسية، وسيلة لإنهاء المسار الذي فتحته ثورة ديسمبر وإعادة إنتاج موازين القوى القديمة؟
هذه ليست حقيقة يمكن حسمها من خلال لقاء صحفي واحد، لكنها فرضية سياسية تستحق البحث في ضوء التحولات التي طرأت على المشهد منذ اندلاع الحرب.
أين أصوات ديسمبر؟
خلال ثورة ديسمبر، واجه صحفيون ومصورون وناشطون إعلاميون الاعتقال والمنع والملاحقة والتضييق بسبب تغطيتهم للاحتجاجات والحراك الشعبي المناهض لنظام المؤتمر الوطني.
وكان الإعلام المستقل، إلى جانب الصحافة التقليدية ومنصات التواصل الاجتماعي، جزءًا أساسيًا من نقل أحداث الثورة إلى الداخل والخارج.
لكن المفارقة التي تستحق التوقف عندها أن عددًا من هؤلاء الصحفيين والمصورين والناشطين الذين وقفوا ضد نظام الإنقاذ، اتخذوا بعد اندلاع الحرب مواقف مؤيدة للقوات المسلحة، وواصلوا الدفاع عن مؤسسات الدولة والجيش في مواجهة الدعم السريع.
ومع ذلك، لم تظهر أصواتهم ضمن المشهد الإعلامي المصاحب للتنوير الصحفي الأخير.
وهنا يبرز سؤال مهني وسياسي في آن واحد:
إذا كان اللقاء يهدف إلى التواصل مع الإعلام المؤيد للقوات المسلحة أو الداعم لموقفها في الحرب، فلماذا غابت أصوات إعلامية مؤيدة للجيش، لكنها تحمل في الوقت نفسه تاريخًا واضحًا في معارضة نظام الإنقاذ؟
بين تأييد الجيش ومعارضة الإنقاذ
أعادت الحرب تشكيل الخريطة السياسية والإعلامية السودانية بصورة كبيرة.
فمواقف العديد من الصحفيين والإعلاميين تغيرت بعد اندلاع الحرب؛ بعض من كانوا في صفوف المعارضة لنظام الإنقاذ أصبحوا مؤيدين للقوات المسلحة باعتبارها مؤسسة الدولة، بينما اختار آخرون مواقف مختلفة.
وهذا التحول لا يعني بالضرورة أن الصحفي الذي أصبح مؤيدًا للجيش أصبح جزءًا من منظومة الإسلاميين، كما أن معارضة قوى الحرية والتغيير لا تعني تلقائيًا الانتماء للحركة الإسلامية.
لكن في المقابل، فإن ظهور شخصيات ذات خلفيات أو مواقف مرتبطة بالمنظومة القديمة في مواقع إعلامية مؤثرة، بالتزامن مع غياب أصوات أخرى لها تاريخ مختلف، يبرر فتح تحقيق صحفي حول طبيعة هذا التحول.
هل عادت واجهات الحركة الإسلامية؟
السؤال الأكثر حساسية الذي يفرض نفسه هو: هل وفرت الحرب بيئة لإعادة تقديم بعض الواجهات الإعلامية والسياسية المرتبطة بالنظام السابق إلى المجال العام؟
فمنظومة الإنقاذ لم تعتمد على المؤسسات السياسية وحدها، وإنما امتدت إلى الإعلام والثقافة ومؤسسات مهنية واجتماعية مختلفة.
وبعد سقوط النظام في أبريل 2019، تراجعت مساحة ظهور العديد من تلك الواجهات، بينما دخلت شخصيات جديدة إلى المشهد الإعلامي والسياسي.
لكن الحرب أعادت ترتيب التحالفات.
وفي ظل الاستقطاب الحاد بين الجيش والدعم السريع، أصبح الموقف من الحرب معيارًا أساسيًا في تحديد الاصطفافات، ما أتاح لبعض الشخصيات القديمة استعادة مساحة من الحضور والتأثير.
وهنا تحديدًا تبرز الحاجة إلى التمييز بين ثلاثة أمور:
الانتماء التنظيمي، والتقاطع السياسي، والموقف الإعلامي.
فليس كل مؤيد للجيش إسلاميًا، وليس كل معارض لقوى الحرية والتغيير من أنصار النظام السابق.
لكن إذا ثبت وجود علاقات تنظيمية أو مؤسسية أو سياسية محددة، فإن من حق الجمهور معرفة خلفيات الشخصيات التي تقدم إليه باعتبارها ممثلة للإعلام.
من اختار الحضور؟
يبقى السؤال المركزي:
من وضع قائمة المدعوين؟
وما المعايير التي اعتمدت في اختيارهم؟
هل كانت المعايير مهنية بحتة؟
هل تم الاعتماد على الانتشار والتأثير الإعلامي؟
هل شملت القائمة المؤسسات الإعلامية المختلفة؟
هل تمت دعوة صحفيين من اتجاهات سياسية وفكرية متعددة؟
هل كان هناك تمثيل حقيقي للصحفيين والمصورين الذين غطوا ثورة ديسمبر؟
وهل شملت القائمة صحفيين اتخذوا مواقف مؤيدة للجيش بعد اندلاع الحرب، رغم تاريخهم المناهض لنظام الإنقاذ؟
إذا لم يحدث ذلك، فإن غيابهم يحتاج إلى تفسير.
هل الحرب أنتجت إعلامًا جديدًا؟
من الأسئلة التي تستحق التحقيق أيضًا طبيعة الخطاب الإعلامي السائد خلال الحرب، ومن يقوده، ومن يملك أدواته ومنابره.
هل أصبحت الحرب مجرد مواجهة عسكرية، أم تحولت كذلك إلى معركة لإعادة تشكيل المجال السياسي والإعلامي السوداني؟
وهل استطاعت واجهات النظام السابق، أو شخصيات كانت قريبة منه، استثمار حالة الحرب والاستقطاب لاستعادة حضورها؟
وهل توجد مؤشرات على أن التنظيم المحلول، المؤتمر الوطني، أو شبكات وشخصيات مرتبطة به، باتت تلعب دورًا في إنتاج أو توجيه جزء من الخطاب الإعلامي المؤيد للحرب؟
هذه أسئلة لا يجوز الإجابة عنها بالاتهامات العامة.
لكنها قابلة للتحقيق من خلال تتبع المؤسسات الإعلامية، وملكية المنصات، ومصادر تمويلها، والعاملين فيها، وخلفياتهم السياسية، وخطابهم منذ اندلاع الحرب.
الإعلام ليس جوقة واحدة
في أي دولة تمر بحرب وأزمة سياسية عميقة، يصبح الإعلام أكثر أهمية، لا أقل.
والسلطة التي تريد إيصال روايتها للرأي العام تحتاج إلى إعلاميين قادرين على نقل هذه الرواية، لكنها تحتاج كذلك إلى صحفيين قادرين على طرح الأسئلة الصعبة.
فاللقاء الإعلامي الذي لا يحضر فيه إلا أصحاب المواقف المتقاربة يفقد جزءًا من قيمته المهنية، ويتحول من مساحة للحوار إلى مساحة لإعادة إنتاج خطاب واحد.
ومن هنا، فإن تمثيل الإعلام لا ينبغي أن يُبنى على الولاء السياسي.
لا ينبغي إقصاء صحفي لأنه معارض، كما لا ينبغي إقصاء صحفي لأنه مؤيد.
المعيار الأساسي يجب أن يكون المهنية والاستقلالية والقدرة على طرح الأسئلة، مع احترام حق كل صحفي في موقفه السياسي.
سؤال أكبر من لقاء
قد يكون التنوير الصحفي الأخير مجرد لقاء عادي ضمن سلسلة لقاءات القيادة السياسية والعسكرية مع الإعلاميين.
لكن تركيبة الحضور تفتح سؤالًا أكبر حول مستقبل الإعلام السوداني في زمن الحرب:
هل تتجه السلطة إلى بناء علاقة جديدة مع إعلام متنوع ومستقل، أم يجري تدريجيًا إعادة إنتاج شبكة من الواجهات الإعلامية التي كانت قريبة من منظومة الإنقاذ؟
وفي المقابل، لماذا لا تحظى الأصوات التي عارضت الإنقاذ، وساندت ثورة ديسمبر، ثم أصبحت مؤيدة للقوات المسلحة بعد الحرب، بالمساحة نفسها للوصول إلى القيادة؟
هذه الأسئلة لا يمكن حسمها من خلال لقاء واحد.
لكنها تستحق التحقيق من خلال قائمة الحضور، والسير الذاتية، والأرشيف الصحفي، والمواقف المنشورة، والوظائف السابقة، وملكية المؤسسات الإعلامية، ومصادر تمويلها، والعلاقات المؤسسية والسياسية الموثقة.
فالإعلام السوداني أكبر من أن تختصره قائمة مدعوين.
والسودان، بعد كل ما مر به، يحتاج إلى إعلام يستطيع أن يسأل السلطة كما يستطيع أن ينقل رسالتها.
وفي النهاية، السؤال ليس فقط:
من جلس أمام البرهان؟
بل: من تم اختياره؟ ومن تم استبعاده؟ ولماذا؟ ومن الذي يعود اليوم إلى واجهة المشهد الإعلامي السوداني؟
وهل نحن أمام مجرد اصطفاف إعلامي فرضته الحرب، أم أمام إعادة تدوير فعلية لواجهات وشبكات النظام السابق؟
الإجابة يجب أن تأتي من الأسماء والوثائق والسجل العام، لا من الانطباعات.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.