لم يكن حديث قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، أمام مجموعة من الإعلاميين المحسوبين على تيار الحرب والمرتبطين بالنظام البائد، بأنه «لا يسعى للحكم لفترة طويلة، ويمكن أن يترشح غيره»، مجرد تصريح سياسي عابر.
ففي سياق المشهد السوداني الراهن، تبدو العبارة أقرب إلى محاولة جديدة لإعادة تقديم صورة الجنرال الذي لا يطمع في السلطة، بينما تكشف الوقائع منذ سقوط نظام البشير عن مسار سياسي مختلف، جعل المؤسسة العسكرية طرفاً أساسياً في إدارة الحكم والصراع، وأبقى الانتقال المدني مؤجلاً.
وبين التصريح والممارسة، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً: إذا كان البرهان لا يريد السلطة، فلماذا لم تتحول وعود الانتقال إلى واقع؟
حلم السلطة.. من الرؤيا إلى الواقع السياسي
سبق للبرهان أن تحدث، في لقاء تلفزيوني موثق، عن رؤيا قال إن والده رآها، ومفادها أنه سيحكم السودان. وبصرف النظر عن دلالة هذه الرواية، فإن إعادة استحضارها اليوم تثير أسئلة سياسية أكثر من كونها قصة شخصية.
فمنذ 11 أبريل 2019، لم يتعامل البرهان مع السلطة باعتبارها مسؤولية انتقالية محدودة زمنياً فحسب، بل تحول تدريجياً إلى اللاعب الأبرز في تحديد مسار البلاد السياسي.
وبعد سقوط البشير، كان يفترض أن تقود المرحلة الانتقالية إلى سلطة مدنية كاملة. لكن الصراع بين المكونين العسكري والمدني تصاعد، وصولاً إلى انقلاب 25 أكتوبر 2021، عندما أطاح العسكريون بالحكومة الانتقالية واعتُقل رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، في خطوة اعتُبرت انقلاباً على المسار المدني وأعادت البلاد إلى مربع الحكم العسكري.
ومنذ ذلك التاريخ، ظل الانتقال السياسي معلقاً، بينما أصبح شعار «الظروف الاستثنائية» مبرراً دائماً لتأجيل استحقاقات الدولة المدنية.
الحرب.. ورقة البقاء الأكثر كلفة
ثم جاءت حرب 15 أبريل 2023 لتفتح الباب أمام واحدة من أسوأ الكوارث في تاريخ السودان الحديث.
قتال واسع، مدن مدمرة، ملايين النازحين، اقتصاد منهار، خدمات صحية وتعليمية متراجعة، ومواطنون عالقون بين الرصاص والجوع والخوف.
وفي خضم هذه المأساة، برزت تساؤلات حول موقف قيادة الجيش من المبادرات الرامية إلى وقف إطلاق النار، من منبر جدة إلى التحركات الإقليمية والدولية المختلفة.
ويرى منتقدون للبرهان أن إطالة الحرب تمنح القيادة العسكرية مبرراً لاستمرار هيمنتها على القرار السياسي، خصوصاً في ظل غياب مؤسسات مدنية قادرة على فرض مسار بديل.
وهنا تكمن المفارقة الأخطر: كيف يمكن لحرب يُقال إنها من أجل استعادة الدولة أن تستمر بينما الدولة نفسها تتآكل يوماً بعد يوم؟
فاستعادة الخرطوم أو السيطرة على مدينة هنا أو منطقة هناك لا تعني بالضرورة استعادة السودان. الدولة ليست ثكنة عسكرية، والانتصار العسكري لا يساوي بالضرورة انتصاراً سياسياً أو وطنياً.
خطاب المنتصر.. وواقع السودان المنهك
رغم الانقسام العسكري والجغرافي الكبير، يواصل البرهان الظهور بخطاب المنتصر، وكأن البلاد خرجت من الحرب أو أصبحت على أبواب الاستقرار.
لكن الواقع أكثر قسوة.
السودان لا يزال يعيش انقساماً عسكرياً وسياسياً، وملايين السودانيين يعيشون خارج مناطقهم، فيما انهارت أجزاء واسعة من البنية الاقتصادية والخدمية.
وفي هذه الظروف، تصبح لغة الانتصار المنفصلة عن معاناة المواطنين نوعاً من الهروب من السؤال الحقيقي: ماذا بعد الحرب؟
فالسوداني لا يبحث عن خطاب تعبوي جديد، بل عن دولة تحميه، وسوق يعمل، ومستشفى يستقبل المرضى، ومدرسة تفتح أبوابها، وأمن يعيد إليه حياته الطبيعية.
الإخوان.. الحليف المستفيد من استمرار النفوذ
في الجانب الآخر، تبرز قضية عودة التيار الإسلامي المرتبط بنظام البشير إلى المشهد.
فجماعة الإخوان المسلمين والحركة الإسلامية السودانية، إلى جانب واجهات وشخصيات مرتبطة بالنظام السابق، وجدت في الحرب فرصة لإعادة بناء نفوذ سياسي وتنظيمي كانت قد فقدته بعد ثورة ديسمبر.
ويرى منتقدون أن العلاقة بين البرهان والتيار الإسلامي تجاوزت حدود التقاطع المؤقت في المصالح، لتصبح جزءاً من معادلة سياسية أوسع عنوانها المحافظة على نفوذ الدولة العميقة وإعادة تدوير كوادر النظام السابق.
وتثير عودة بعض رموز النظام السابق إلى مواقع مؤثرة، إلى جانب الحديث عن إعادة عدد من الكوادر للخدمة وإطلاق سراح شخصيات مرتبطة بالنظام القديم، مخاوف من أن تكون الحرب قد فتحت الباب أمام إعادة إنتاج النظام السابق بواجهات جديدة.
المسألة هنا لا تتعلق بشخص البرهان وحده، بل بالسؤال عن طبيعة الدولة التي يجري تشكيلها تحت غطاء الحرب.
هل هي دولة انتقالية تمهد لحكم مدني؟ أم دولة عسكرية تتسع فيها تدريجياً مساحة القوى التي خسرت نفوذها في ثورة ديسمبر؟
«البلابسة».. عندما تتحول الصحافة إلى أبواق للحرب
وفي هذه المعادلة، يلعب الإعلام دوراً لا يقل خطورة عن السياسة والسلاح.
فقد برز خلال الحرب إعلاميون وكتاب وناشطون يتبنون خطاباً شديد الاستقطاب، ويضعون كل من يدعو إلى وقف الحرب أو التفاوض في خانة الخيانة، بينما يقدمون استمرار القتال باعتباره الطريق الوحيد للانتصار.
ويصف منتقدو هذا الخطاب هؤلاء بـ«البلابسة»، في إشارة إلى إعلاميين يرون أنهم تحولوا من ممارسة العمل الصحفي إلى تبرير الحرب والدفاع عن السلطة العسكرية.
المشكلة ليست في تأييد الجيش أو انتقاده؛ فهذا حق سياسي وإعلامي. المشكلة تبدأ عندما تتحول الصحافة إلى غرفة صدى للسلطة، وعندما يصبح السؤال المهني جريمة، والنقد خيانة، والدعوة إلى السلام تهمة.
فالصحافة التي تتخلى عن دورها الرقابي تفقد جوهر وجودها، وتتحول من سلطة رابعة إلى أداة تعبئة.
لقاء البرهان.. رسالة سياسية أكثر من كونه حواراً إعلامياً
من هذه الزاوية، فإن لقاء البرهان الأخير مع إعلاميين محسوبين على تيار الحرب يثير تساؤلات حول الرسالة التي أراد إيصالها.
هل كان اللقاء مساحة لسماع أسئلة صعبة حول الحرب والضحايا والانتقال والدولة المدنية؟ أم منصة لإعادة إنتاج الرواية الرسمية أمام جمهور متوافق معها؟
والأكثر إثارة للتساؤل أن البرهان اختار خلال هذا اللقاء التأكيد على أنه لا يسعى إلى الحكم طويلاً.
لكن السودانيين لا يحتاجون إلى تطمينات لفظية بقدر حاجتهم إلى ضمانات عملية.
فالسلطة لا تُقاس بما يقوله الحاكم عن نواياه، وإنما بما يفعله عندما تتاح له فرصة التخلي عن السلطة.
البرهان أمام الاختبار الحقيقي
إذا كان البرهان صادقاً في قوله إنه لا يريد الحكم، فإن الطريق واضح: وقف الحرب، فتح المجال أمام انتقال مدني حقيقي، احترام المؤسسات، إبعاد المؤسسة العسكرية عن المنافسة السياسية، وترك مستقبل الحكم للشعب السوداني.
أما أن تستمر الحرب، ويتواصل تعطيل الانتقال، وتعود رموز النظام السابق إلى المشهد، ويتحول الإعلام إلى منصة لتخوين دعاة السلام، ثم يقال للسودانيين إن القيادة العسكرية لا تريد السلطة، فذلك تناقض يصعب إخفاؤه بالتصريحات.
والأخطر أن استمرار الحرب قد ينتج واقعاً جديداً يصبح فيه المؤقت دائماً، والاستثنائي قاعدة، والسلطة العسكرية أمراً مفروغاً منه.
الخاتمة: السودان ليس ملكاً للجنرالات ولا للإخوان
المشكلة الحقيقية ليست في عدد السنوات التي يقول البرهان إنه يريد أن يحكمها، بل في من يملك حق تحديد مستقبل السودان.
السودان ليس ملكاً للبرهان، ولا للإخوان، ولا للجيش، ولا لأي حزب أو جماعة أو قائد.
هو ملك لشعب دفع ثمناً باهظاً من أجل الحرية، ثم وجد نفسه بعد سنوات أمام حرب أنهكت البلاد، وسلطة لا تبدو مستعدة للتنازل عن نفوذها، وقوى سياسية تحاول استغلال الانهيار لإعادة إنتاج نفسها.
ولهذا فإن عبارة «لا أسعى للحكم طويلاً» لن تكون ذات قيمة سياسية ما لم تتحول إلى خطوات واضحة تنهي الحرب وتعيد السلطة إلى مسار مدني حقيقي.
أما استمرار الإمساك بمفاتيح الدولة، والاستناد إلى الحرب لتبرير بقاء العسكر، وفتح الأبواب أمام رموز النظام السابق، وإسكات الأصوات المطالبة بالسلام، فلن يجعل البرهان رجل دولة يتخلى عن السلطة طوعاً؛ بل سيعزز الانطباع بأنه جنرال يحاول إدارة أزمة مفتوحة بما يضمن بقاءه في قلب السلطة، مهما طال أمد الحرب ومهما كانت فاتورة الخراب.
وفي الواقع، قد يستطيع أي حاكم السيطرة على القصر أو قيادة الجيش، لكنه لا يستطيع إلى الأبد السيطرة على ذاكرة شعب يعرف من وعده بالانتقال، ومن أخره، ومن دفعه إلى حرب لا تزال تحصد الأرواح.
السؤال لم يعد: هل يريد البرهان الحكم طويلاً؟ بل: هل يملك الشجاعة ليثبت أنه لا يريد الحكم أصلاً؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.