تُعتبر الصحافة رسالة سامية لحماية الحقيقة والدفاع عن قضايا المجتمع، ويمكن لهذه الرسالة أن تؤتي ثمارها إذا ظلت منابرها بعيدة عن تصفية الحسابات، أو توجيه الوعيد والتهديد بين الزملاء في المهنة الواحدة.
ومن المؤسف أن نشهد بعض الممارسات التي تسعى إلى إقصاء الصحفيين أو معاملتهم بسوء، والأشد خطورة هو صدور التوعد والتحريض من صحفيين ضد إخوانهم في المهنة، بناءً على خلافات في الرأي أو التوجه.
ويأتي تهديد الزملاء لبعضهم بعضًا، بغرض إرضاء السياسيين، منافيًا لأدبيات المهنة وأخلاقياتها، ويُسيء إلى رسالة الصحافة قبل أن يسيء إلى الصحفي المستهدف.
إن جوهر العمل الصحفي يقوم على قبول التعددية واحترام الرأي الآخر، وتحويل الاختلاف الفكري إلى عداء شخصي لا يؤدي إلا إلى تهديد تماسك الوسط الصحفي بأكمله.
من هو الصحفي؟
في عالمنا المثالي، الصحفي هو صوت من لا صوت له، وعين الحقيقة التي لا تنام، وحارس للفضاء العام الذي يراقب السلطة ويكشف المستور.
لكن في الواقع السوداني، يقف الصحفي اليوم في خط النار؛ ليس فقط في مواجهة نار البنادق، بل كذلك في مواجهة نار الاستقطاب السياسي الحاد، الذي كاد أن يقضي على ما تبقى من شرف المهنة واستقلاليتها.
تتعدد نظرة السياسيين إلى الصحفي، وتتباين وفقًا للمصلحة؛ فالسلطة تراه تارةً أداةً يجب تطويعها لخدمة النظام، وتارةً أخرى «عدوًا مؤجلًا» ينبغي الحذر منه أو إقصاؤه.
وفي المقابل، قد تنظر إليه القوى السياسية الأخرى بالطريقة ذاتها، فتقبله حين يتوافق مع خطابها، وتضعه في خانة الخصومة حين يطرح أسئلة لا تتوافق مع روايتها.
وهكذا يتحول الصحفي المهني المستقل إلى غريب في وطنه، مهددًا في رزقه وحريته، ومحاصرًا بين ضغوط السلطة واستقطاب القوى السياسية.
وتتجلى هذه الأزمة بوضوح في ظاهرة المؤتمرات الصحفية الانتقائية، حيث ينقسم المشهد إلى فئتين لا ثالث لهما.
فهناك مؤتمرات «موالية» تُفصّل لدعم النظام، وتُدعى إليها أقلام بعينها لترديد صدى الرواية الرسمية، وهي في بعض الحالات تتحول إلى عملية ممنهجة لحرق المصادر واغتيال مصداقية الصحفي أمام جمهوره.
وعلى الجانب الآخر، تقف مؤتمرات «معادية» تُعقد أحيانًا في الغرف المغلقة أو المنافي، وتتحرك وفق أجندات مضادة.
وبين الطرفين يضيع الصحفي المهني الذي يبحث عن المعلومة المجردة، فيجد نفسه مبعدًا عن المشهد، ومحاصرًا بالتخوين من الطرفين.
فالصراعات المحتدمة حول ما يُعرف بـ«نقابة البوكو»؛ أي الكيانات الهلامية أو الموازية، تعكس بوضوح حالة التشظي والانقسام التي يعيشها الوسط الصحفي.
وفي المقابل، يبدو الاتحاد الرسمي غائبًا تمامًا عن القيام بدوره الأساسي في حماية الصحفيين، وتوفير بيئة عمل آمنة لهم، والدفاع عن حقوقهم المهنية.
هذا الصراع النقابي لم يُنتج بيئة مهنية أكثر استقرارًا، بل أفرز مزيدًا من المحاصصة والتمزق، وأصبح الصحفي نفسه ضحية لصراعات لا علاقة لها بجوهر المهنة ورسالتها.
الصحافة السودانية تعيش اليوم واحدة من أصعب مراحلها، حيث يجري استقطاب الأقلام وشراء الولاءات، الأمر الذي أدى إلى تراجع المحتوى الاستقصائي والتحليلي الرصين، لصالح الإثارة والتحريض والاستقطاب.
إن استمرار هذا الوضع ليس سوى انتحار جماعي للمهنة.
وإنقاذ الصحافة السودانية لا يبدأ من قاعات المؤتمرات الانتقائية، ولا من صراعات الكيانات النقابية، بل يبدأ من استعادة الصحفي لوعيه بدوره الأخلاقي، وتمسكه باستقلاليته باعتبارها طوق النجاة الوحيد للمهنة.
فالصحفي ليس موظفًا لدى السلطة، ولا بوقًا لحزب، ولا خصمًا سياسيًا لأي جهة، وإنما هو مهني مهمته الأساسية البحث عن الحقيقة، والتحقق من المعلومات، ونقلها إلى الجمهور بمسؤولية واستقلال.
وبدون صحافة حرة ونزيهة ومستقلة، تنحاز إلى الوطن والإنسان، لا إلى الأنظمة والأحزاب، سينتهي بنا المطاف إلى مجتمع بلا ذاكرة، وبلا حقيقة، وبلا مستقبل.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.