زيارات بلا أثر.. السودان يغرق في الكارثة الإنسانية: أين المجتمع الدولي؟

بقلم: فاطمة علي سعيد

وفودٌ تأتي، وبياناتٌ تصدر، واجتماعاتٌ تنتهي.. بينما الحرب مستمرة والسودانيون يدفعون الثمن. لم تعد المشكلة في نقص البيانات الدولية، ولا في غياب الوفود، ولا في قلة الاجتماعات. المشكلة أن المأساة تتسع، بينما يظل الفعل الدولي محصورًا في حدود الكلام.

تتوالى الزيارات الأممية والدولية، وتتعاقب اللقاءات والمبادرات، ويأتي المبعوثون، ويجلسون مع أطراف الحرب، ويستمعون إلى السياسيين والمجتمع المدني، ثم يغادرون، بينما يبقى المواطن السوداني في المكان نفسه: تحت القصف، في معسكرات النزوح، أمام طوابير الجوع، أو يبحث عن دواء وخبز وماء.

وهنا لا بد من طرح السؤال الذي لم يعد يحتمل التأجيل:

ماذا فعل المجتمع الدولي، لا ماذا قال؟

منذ اندلاع الحرب، امتلأت الساحة السودانية بالتحركات الدبلوماسية. مبعوثون ووفود، اجتماعات وإحاطات، مبادرات وبيانات، ولقاءات في عواصم مختلفة. وآخر هذه التحركات ما يقوم به المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، بيكا هافيستو، ومجموعة الخماسية ووفد الاتحاد الأوروبي.

كل ذلك قد يكون مهمًا على المستوى الدبلوماسي، لكن المواطن السوداني لا يستطيع أن يعيش على الدبلوماسية وحدها.

المواطن لا يأكل بيانًا، ولا يحتمي بإحاطة، ولا تُنقذ حياته صورة جماعية أمام الكاميرات. يحتاج إلى فعل يراه على الأرض: ممرات إنسانية آمنة، وصول المساعدات إلى مستحقيها، حماية المدنيين، ضغط حقيقي على أطراف الحرب، وخطوات جادة تقود إلى وقف إطلاق النار.

الزيارات ليست المشكلة

لا أحد يعترض على زيارة السودان أو لقاء السودانيين، والتواصل الدولي مع أطراف الأزمة ضرورة.

ولكن تبدأ المشكلة عندما لا يتبع الزيارة شيء. عندما تتحول الزيارة إلى غاية في ذاتها؛ يصل الوفد، وتُعقد الاجتماعات، وتُلتقط الصور، وتصدر التصريحات، ثم يغادر الجميع وتبقى الحرب.

إذا كان المبعوث الدولي يستمع إلى الجميع، فما الذي يحدث بعد الاستماع؟

وإذا كانت الأمم المتحدة تدرك حجم الكارثة الإنسانية، فأين الأدوات التي يمكن أن تحوّل هذا الإدراك إلى حماية حقيقية؟

وإذا كان المجتمع الدولي يعرف أن استمرار الحرب يعني مزيدًا من القتل والنزوح والجوع والانهيار، فلماذا لا تتحول التحذيرات إلى إجراءات أكثر فاعلية؟

الحاجة في السودان هي إنهاء الكارثة، وليس إدارة الكارثة.

كل يوم تستمر فيه الحرب يعني أسرة جديدة تفقد منزلها، وطفلًا يخرج من المدرسة، ومريضًا لا يجد دواءه، ونازحًا جديدًا يبحث عن مأوى، ومجتمعًا يزداد فقرًا وانقسامًا.

لذلك، فإن التعامل مع الأزمة بمنطق إدارة الحرب بدلًا من إنهائها لن يقود إلى السلام.

ولا يمكن أن تكون الأولوية للترتيبات السياسية بينما المدنيون يدفعون الثمن كل يوم. فالسياسة التي لا تبدأ بوقف نزيف الدم، وحماية الإنسان، وفتح الطريق أمام المساعدات، وفقط، ستظل مجرد هندسة جديدة للأزمة.

بالتأكيد، الحديث عن أي عملية سياسية شاملة أمر مهم، لكن لا يمكن بناء سلام فوق جثث المدنيين، ولا إطلاق حوار جاد في بلد لا تزال الحرب مشتعلة في أجزاء واسعة منه.

الشرط الأول لأي عملية سياسية حقيقية هو وقف الحرب وحماية المدنيين.

أما طرح حلول سياسية سريعة دون معالجة جذور الأزمة، ودون ضمانات حقيقية للمدنيين، فهو مجرد إعادة تدوير للأزمة، وإنتاج تسوية واتفاق مؤقت يعيد إنتاج أسباب الحرب.

أين أدوات الضغط؟

كم مرة تحولت التحذيرات الدولية إلى إجراءات؟

كم مرة استُخدمت أدوات الضغط المتاحة لحماية المدنيين؟

ماذا فُعل تجاه من يعرقلون وصول المساعدات؟

ومتى يصبح استمرار الانتهاكات سببًا لتحرك دولي أكثر حزمًا؟

لا يمكن للمجتمع الدولي أن يظل في موقع المراقب، ثم يكتفي بتسجيل ارتفاع أعداد الضحايا والنازحين والجوعى.

السودان وطن يُستنزف، وشعب يدفع ثمن حرب لم يعد يحتمل استمرارها.

لا تجعلوا السودان مجرد ملف على طاولة الدبلوماسية

لقد حان الوقت للانتقال من دبلوماسية الزيارات إلى دبلوماسية الفعل، ومن بيانات القلق إلى خطوات تُحدث فرقًا في حياة المدنيين.

السودان يحتاج إلى جهود حقيقية لوقف إطلاق النار، وتأمين وصول المساعدات، وحماية المدنيين، وتهيئة الطريق أمام عملية سياسية سودانية شاملة لا تستثني أصحاب المصلحة الحقيقيين، ولا تعيد إنتاج القوى التي قادت البلاد إلى هذا الانهيار.

الوقت ليس في صالح أحد.

كل يوم يمر يعني مزيدًا من الموت، ومزيدًا من النزوح، ومزيدًا من الفقر، ومزيدًا من التمزق الاجتماعي.

ولهذا، لا يهم كم وفدًا زار السودان، لكن الأهم: كم حياة أنقذت هذه الزيارات؟

وما الذي تغيّر على الأرض بعد كل هذه الاجتماعات واللقاءات؟

السودان يحتاج إلى إرادة دولية تترجم الكلام إلى فعل، والقلق إلى ضغط، والزيارات إلى نتائج.

فالسلام ليس صورةً أمام الكاميرات، ولا بيانًا يُقرأ في قاعة، ولا اجتماعًا ينتهي بمصافحة.

السلام قرار.. وحماية المدنيين مسؤولية.. وإنهاء الحرب يحتاج إلى إرادة سياسية، لا إلى مزيد من البيانات.

يا مجتمع دولي.. لقد طال أمد الحرب إلى درجة أصبح معها الاكتفاء بالبيانات والتحذيرات عاجزًا عن مواجهة حجم الكارثة، وأصبحت كثرة المبادرات دون نتائج نوعًا من الدوران في الحلقة ذاتها.

المطلوب من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والإقليمي أن يتعاملوا مع السودان باعتباره أزمة إنسانية وسياسية وأمنية تتطلب تحركًا استثنائيًا، لا مجرد ملف دبلوماسي تتم زيارته كل فترة.

لذلك، إذا كانت الزيارات الأممية المتكررة لا تحمل معها آليات عملية لوقف الكارثة الإنسانية وحماية المدنيين، وإذا كانت الاجتماعات لا تنتج ضغطًا حقيقيًا لوقف إطلاق النار وفتح الطريق أمام المساعدات، فما الفائدة من كل هذا الحراك؟

السودان لا يحتاج إلى مزيد من الوفود التي تأتي وتغادر. السودان يحتاج إلى إرادة دولية تأتي لتبقى حتى يتوقف الموت.

إنهاء الحرب وإحلال السلام قرار.. والقرار يحتاج إلى إرادة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.