اعتقال المعلمين وتجريف التعليم يهددان مستقبل السودان

بقلم: يوسف عزالدين

شهدت العقود الأخيرة تحولًا جذريًا في تعامل الأنظمة العسكرية مع المنظومة التعليمية، حيث تحول المعلم من «مربٍ للأجيال» إلى «هدف دائم» للأجهزة الأمنية.

إن اعتقال المعلمين تحت ذرائع «الخلايا الأمنية» لم يكن يومًا لحماية الأوطان من استهداف خارجي، بل هو استهداف مباشر للعلم والعلماء، ومحاولة واضحة لإسكات صوت الوعي وهضم حقوق المعلمين المادية والمعنوية.

عندما يرتجف النظام من كلمة معلم في الفصل، فهذا يعني أن القلم بات أقوى من رصاص الدبابات.

سؤال للتدبر: هل يمكن لبلد يُعتقل فيه حامل القلم، ويُساق فيه المعلم إلى السجون بتهم فضفاضة، أن يواجه تحديات المستقبل أو يحقق سيادة حقيقية؟

اعتقال المعلمين هو سحق للكرامة، وإقصاء من الوظائف بناءً على تقارير وتحريات الأجهزة الأمنية. ويتعرض المعلمون للاعتقال المباشر والاعتداء بالضرب داخل المدارس، ومنعهم من حق التظاهر السلمي للمطالبة بزيادة أجورهم الهزيلة.

هذه الممارسات لا تستهدف الشخص ذاته، بل تستهدف كسر هيبة المعلم أمام تلاميذه، لتنشئة جيل خاضع لا يعرف معنى الكرامة.

وإذا أُهين المعلم أمام طلابه وصودرت حريته، فما هي القيم والرسائل البديلة التي تترسخ في أذهان الأجيال القادمة؟

إنها موازنات مقلوبة: الأمن يتضخم والتعليم يحتضر. تنعكس أولويات العسكر بوضوح في وثائق الموازنة العامة، حيث تكشف الأرقام الفجوة الهائلة بين قطاعي الأمن والتعليم.

فبينما تحظى المؤسسات الأمنية والشرطية بميزانيات فلكية ومستمرّة في الصعود، تقبع ميزانيات التعليم عند أدنى مستوياتها، بما يخالف حتى النصوص الدستورية التي تلزم بنسب محددة للتعليم.

هذا التفاوت المالي يوضح أن العقيدة الحاكمة ترى في «الأمنجي والأجهزة الأمنية» حاميًا لبقائها، بينما ترى في «المعلم والمدارس» عبئًا ماليًا أو خطرًا محتملًا يفرز عقولًا ناقدة ومستنيرة.

كيف يستقيم بناء الأوطان عندما تفوق ميزانية عصا الأمن وتجهيزاتها العسكرية ميزانية التعليم؟

كيف ننزع الوعي من قبضة الأمن؟

لن تنجح قوى القمع في إطفاء أنوار المعرفة، طالما بقي هناك معلم مؤمن بأن مهمته هي تحرير العقل البشري، وأن الانحياز للعلم هو الانحياز الحقيقي للوطن.

كسروا الأقلام،
هل تكسيرها يمنع الأيدي أن تنقش صخرًا؟

قطّعوا الأيدي،
هل تقطيعها يمنع الأعين أن تنظر شزرًا؟

أطفئوا الأعين،
هل إطفاؤها يمنع الأنفاس أن تصعد زفرًا؟

أخمدوا الأنفاس،
هذا جهدكم، وبه منجاتنا منكم… فشكرًا!

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.