سقوط الاختصاص وتخبط التشغيل: أزمة المياه والإدارة في مشروع السوكي الزراعي
طارق محمد أحمد الفكي
تتجلى تفاصيل الأزمة الماثلة في مشروع السوكي الزراعي أمام أعين الجميع وفي طليعتهم المزارعون والشهود على مأساة حقول أنهكها الغرق تارة والعطش تارة اخري، متحولاً من أزمة موسمية عابرة إلى كارثة تلتهم خضرة الأرض. يكشف هذا الواقع عن تصدع عميق في البنية الهندسية والمؤسسية للمشروع، بعد أن نُقلت مقاليد الري إلى غير أربابها، مبتعدة عن دقة الاختصاص الهندسي. ومع دمج وزارة الري والموارد المائية لتصبح ضمن وزارة الزراعة على المستوى الاتحادي، جُرّد العمل المائي من استقلاليته التخصصية، ليتشعب السؤال المرير داخل المشروع: أين الجهة المفوضة والمختصة بالري لتنسق مع إدارة الري في تكتوك؟ هذا الفراغ الإداري والتغييب المؤسسي فتح الباب على مصراعيه لفوضى عارمة جعلت أموال الدولة والدعم المقدم من المنظمات الدولية والمحلية تتبخر في مهب الريح؛ بلا دراسات هندسية منضبطة، وبلا خطط تنفيذية واضحة، وغياب تام لمتابعة ما تم إنجازه وأين ذهبت تلك الموارد.
تتجلى هذه الكارثة ميدانياً في منظومة متهالكة بالكامل:
عجز الطلمبات والمحطات: تقف طلمبات الضخ عاجزة ومتهالكة دون صيانة أو قطع غيار كافية لتأمين التصرفات التصميمية (Design\ Discharges) في مواعيدها.
اختناق شرايين الري: مواجر مسدودة بالأشجار والأطماء، ترع ومصارف تفقد قطاعاتها الهيدروليكية، هدارات منهارة تحتاج إلى إعادة بناء عاجلة، وخطوط مياه تجاوزت العمر الافتراضي وتتطلب تبديلاً فورياً.
العبث بالبوابات والتحكم: بوابات ترع رئيسية متروكة مفتوحة على مصراعيها، و”أبو عشرينات” مستخلصة مباشرة من الترع دون أي ضوابط تنظيمية.
غياب الرقابة: لا خفراء ري على الأرض لحماية الحصص، قناطر ومنشآت تنظيم انتهت صلاحيتها، ومكاتب ري ميدانية تحولت إلى أطلال مكسرة ومهجورة.
إن شبكات الري الكبرى ليست مجرد مجاري ترابية، بل منظومات هيدروليكية بالغة الحساسية يعتمد استقرارها على توازن معجز بين المناسيب، والميول، والتصرفات. وحين تمتد إليها يد العبث بتغيير فتحات التحكم أو بالتعميق الأعمى للقنوات، تتخبط السرعات وتنهار القطاعات التصميمية. ويتسع هذا الانهيار مع التوسع العشوائي في ري مساحات خارج الدورة الزراعية، ليقفز الطلب الكلي على المياه فوق طاقة القنوات. هذا الفائض القاتل يستنزف حصص المقدمات والمواجر، ليهوي منسوب المياه وتتعرض محاصيل المزارعين للموت تحت سياط “السرقة الهيدروليكية”.
سقوط الإدارة الزراعية: الخلل البنيوي وغياب الحوكمة
يُمثّل هذا الانهيار انعكاساً مباشراً لعقم الإدارة الزراعية وفشل مؤسسي متراكم، تجاوز الأخطاء الفنية البسيطة ليضرب في عمق التخطيط والمحاسبة. فعلى الرغم من تعاقب المواسم وورود الدعم المالي، عجزت الإدارة الزراعية عن وضع استراتيجية لإدارة الموارد، متسببة في تداعيات مدمّرة:
غياب الشفافية ومتابعة الدعم: تفتقد الإدارة الزراعية لأي آليات رقابية لتتبع الأموال والمساعدات؛ فلا دراسات هندسية تسبق التنفيذ، ولا خطط تحدد أولويات الصرف، ولا كشف حساب يوضح أين ذهبت الموارد وماذا تم إنجازهُ فعلياً.
انقطاع التنسيق المأسوي: أدى تهميش الجهات المختصة بالري إلى بتر قنوات الاتصال الميداني مع إدارة الري في “تكتوك”، تاركاً الحقول بلا مرجعية تحسم النزاعات المائية أو تنظم التشغيل.
الرخاوة في إنفاذ اللوائح: سمحت الإدارة الزراعية بانتشار العشوائية عبر فتح (“أبو عشرينات”) مباشرة من الترع والتوسع خارج الدورة الزراعية دون ردع، مخترقةً بذلك مبادئ الميزانية المائية (Water\ Budget).
انعدام الكوادر الميدانية: أسهم ترك مكاتب الري وخفراء الميدان بلا تمكين أو دعم في ضياع هيبة القانون الإداري، مما مهّد الطريق للعبث بمنشآت التحكم والسرقات المائية المقننة.
يقود هذا العجز الإداري وغياب الحوكمة المائية إلى مفارقة مدمرة على طول المجرى؛ حيث تتزامن المأساة المزدوجة بين العطش والغرق: إذ تموت نهايات الترع عطشاً لعدم وصول المياه بسبب الاستنزاف العشوائي في البدايات، بينما تغرق أراضٍ أخرى وتتعرض للتغدق المائي (Waterlogging) في بدايه الموسم.
وأمام هذا الانهيار الممنهج، بات التدخل العاجل بحزمة متكاملة من الإصلاحات الهندسية والمؤسسية ضرورة حتمية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه:
إعادة تأهيل محطات الضخ: إجراء اختبارات الكفاءة الميكانيكية والهيدروليكية (Pump\ Efficiency\ Tests)، وتوفير قطع الغيار والوقود.
المسح الهندسي للتطهير: كف الأيدي عن الحفر الأعمى والاعتماد على المسوحات الطبوغرافية وحسابات حصر الكميات (Quantity\ Surveying) لاستعادة القطاعات المستعرضة وميول الجوانب (Side\ Slopes).
الضبط الإنشائي والجسور: ترميم الجسور المتهالكة ورفعها للمناسيب التصميمية، ومعالجة وإغلاق كافة الكسور والفتحات غير القانونية.
إدارة الصرف الزراعي: انتشال الأطماء والحشائش من المصارف لحماية الأراضي من التغدق والملوحة.
التمكين المؤسسي والرقابي: إعادة نبض الحياة لمكاتب الري الميدانية، وتمكين خفراء الري نظامياً لتنفيذ أعمال الضبط المائي.
التحكم الهيدروليكي: بعث القناطر الميتة، وتركيب بوابات التنظيم والمقاييس الهيدروليكية الدقيقة (Flow\ Measurement\ Devices) لضمان العدالة في التوزيع.
الحوكمة المائية: ربط برامج التشغيل بمطابقة الكميات المتاحة بالاحتياجات المائية الفعلية (Crop\ Water\ Requirements) للمساحات المعتمدة حصراً.
فصل الاختصاصات: إعادة المسؤولية الفنية والتشغيلية لمنظومة الري إلى الجهاز الهندسي المتخصص، وبناء شراكة قائمة على مؤشرات أداء واضحة (Key\ Performance\ Indicators).
إن شبكات الري لا تموت دفعة واحدة، بل تتآكل ببطء عبر تراكم الإهمال والعجز الإداري حتى تصبح تكلفة إعادة التأهيل (Rehabilitation\ Cost) مستحيلة. إن عودة مظلة الري إلى خبراء الهندسة والمياه والضبط الإداري الصارم هي طوق النجاة الأخير لإنقاذ مشروع السوكي قبل أن تفقد أراضينا ذاكرتها الخضراء إلى غير رجعة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.