السيف الذي خرج من كتاب التاريخ… ثم تسلّط على رقابنا!

رشاد عثمان

كان شارل ديغول جنرالاً عملاقاً؛ قاد «فرنسا الحرة» في زمن الاحتلال، وارتبط اسمه بالمقاومة والتحرير، وامتلك من المجد العسكري ما يكفي ـ بمعايير جمهورياتنا المنكوبة ـ لتبرير انقلاب كل صباح. ومع ذلك لم يدخل قصر الإليزيه على ظهر دبابة، ولم يقل للفرنسيين إن البندقية التي حررت الوطن تمنحه حق امتلاكه. وحين قيل له إن فرنسا لا تستطيع الاستغناء عنه، تُروى عنه تلك الإجابة الساخرة بأن المقابر تضم كثيرين ممن كان يُظن أن فرنسا لا تستطيع الاستغناء عنهم.

جملة تكاد تختصر وحدها المسافة بين رجل الدولة والطاغية: أن تعرف أن الوطن أبقى منك، وأن أهميتك، مهما عظمت، لا تجعل منك قدراً أبدياً على شعبك.

وحين عاد ديغول إلى الحكم عام 1958 عاد من بوابة الدولة والسياسة، وحين قال له الفرنسيون «لا» في استفتاء 1969 استقال وغادر. لم يستدعِ الجيش، ولم يعلن «تصحيح المسار»، ولم يزعم أن المرحلة لا تحتمل المدنيين، والأهم أنه لم يسألهم ذلك السؤال الأثير عند جنرالاتنا: ومن حرركم وحمى حماكم؟

يا لها من مفارقة؛ كان ديغول عسكرياً استطاع أن يخرج من عقلية الثكنة، بينما أنتج تاريخنا السياسي مدنيين كثيرين فشلوا في إخراج الثكنة من رؤوسهم.

وربما بدأ بعض الحكاية في مكان أبعد من القيادة العامة: في الفصل الدراسي.

فقد كانت قاعات الدراسة عندنا تتزين بأسماء السوامق أمثال ابن سينا والفارابي وجابر بن حيان وابن رشد وابن خلدون، أصحاب العقل والسؤال والمعرفة، وإن لم يبلغ رواد التعليم في ذاك الزمان إلا قليلاً ذلك التوتر المعرفي المدهش عند البيروني وأبي حيان التوحيدي ونصير الدين الطوسي ومحيي الدين بن عربي.

كانت أسماء أصحاب الأفكار معلقة على أبواب الفصول، لكننا ما إن نفتح كتب التاريخ حتى تتقدم السيوف والغزوات والحصارات والفتوحات إلى الواجهة؛ من «سيف الله المسلول» إلى الحجاج وطارق بن زياد وموسى بن نصير، ثم المماليك وعين جالوت وفتح القسطنطينية والسلاطين والحصارات، حتى ليبدو التاريخ أحياناً طريقاً طويلاً تعبره الخيول.

وهكذا سمّينا قاعات الدرس بأسماء أصحاب الأفكار، ثم حشونا رؤوس التلاميذ بسِيَر أصحاب السيوف.

وليس العيب، بالطبع، أن ندرس الحروب؛ فهي جزء من التاريخ، وإنما يبدأ الاختلال حين تصبح الحرب هي التاريخ، وحين نقيس عظمة الأمم بعدد المدن التي فتحتها أكثر مما نقيسها بعدد الأسئلة التي شهرتها، ويصبح اقتحام مدينة أكثر إثارة للإعجاب من بناء جامعة، وصاحب السيف أكثر حضوراً في المخيلة من صاحب الفكرة.

ثم نعود، في براءة مدهشة، لنسأل عن سر هذا الولع بالبندقية، متناسين أننا ربّينا البندقية في المخيلة قبل أن نحملها في الشارع.

وكانت الحركة الإسلامية السودانية ابنةً بارّة لهذا الإرث، ثم أضافت إليه من عندها الكثير؛ فهي تنظيم مدني في لافتاته، لكنه حمل في بنيته ومخيلته السياسية شيئاً كثيراً من التنظيم شبه العسكري: البيعة، والسمع والطاعة، والسرية، والصف، والجهاد، والفتح، والتمكين والشهيد. وهي مفردات، حين تنتظم داخل مشروع سياسي مغلق، تجعل السياسة أقرب إلى ميدان المعركة، والاختلاف أقرب إلى الخروج عن الصف، والانضباط فضيلة أعلى من السؤال.

وفي مكان ما خلف ذلك كله يقف مفهوم قديم شديد الدلالة: «صاحب الشوكة»؛ والشوكة في الموروث السياسي ليست السيف وحده، وإنما القوة والمنعة والقدرة على إنفاذ السلطان.

ومن هذه الزاوية تبدو مفاصلة الإسلاميين بين الترابي والبشير أكثر من مجرد خصومة بين شيخ وتلميذه؛ فقد كانت، في أحد وجوهها الرمزية، امتحاناً بين صاحب الفكرة وصاحب الشوكة. كان الترابي، بلا جدال، أقدر الرجلين على إنتاج الأفكار وبناء التنظيم وصياغة عالمه النظري، لكن حين جاءت ساعة الاختبار انحاز جانب معتبر من العصب الحركي إلى الرجل الذي يملك الدولة والجيش والأمن والمال.

وليس ذلك وحده تفسيراً للمفاصلة، فهي أعقد من هذا الاختزال، لكنه يفتح سؤالاً يستحق التأمل: ماذا نتوقع من تنظيم ظل طويلاً يربي أتباعه على الطاعة والتمكين والقوة حين يُطلب منه الاختيار بين الشيخ الذي يملك الفكرة والرئيس الذي يملك الشوكة؟

لقد ظن الترابي أنه استعار جنرالاً ليحرس الفكرة، ثم اكتشف أن الجنرال يستطيع أن يرث الفكرة والدولة معاً.

ولم يكن ذلك سوى انكشاف متأخر لمنطق ظل يعمل منذ انقلاب يونيو 1989 المشؤوم على تاريخ السودان وجغرافيته وإثنوغرافيته: الأمن قبل السياسة، والتمكين قبل المؤسسة، والتنظيم قبل الدولة، والسلاح كلما استعصى الحوار.

ومن الجهاد إلى المليشيات، ومن «التاتشر» إلى «الدرون»، تطورت أدوات العنف تقنياً فيما بقي السؤال السياسي القديم على حاله: من يملك القوة يملك نصيباً أكبر من السلطة وكعكة الثروة.

وهكذا تحول «المشروع الحضاري»، شيئاً فشيئاً، إلى ظاهرة أمنية محمولة على أسنة الرماح وممزوجة بالهتافيات عن الشريعة والجهاد، حتى بدت الدولة أحياناً مثل «مفوضية أرضية لإدارة شؤون السماء»؛ فيما تتداعى على الأرض المدرسة والمصنع والمشروع الزراعي، وتصبح «التاتشرات»، ثم «درونز» القطاع الخاص، من أهم «مدخلات الإنتاج» في «برازيل أفريقيا» الافتراضية!

ثم دارت الأرض دورتها، واكتشفت الحركة الإسلامية فجأة التراب الوطني والسيادة والأمن القومي و«كرامة» السودان. وهنا تعمل متلازمة الذاكرة الغربالية عملها المعتاد: كل انقلاب بلا أب، وكل مليشيا بلا نسب، وكل حريق يبدأ صباح اليوم، وكل كارثة مرجع بذاتها لا حلقة في تاريخ مترابط؛ حتى يستطيع صانع الكارثة، بعد سنوات، أن يعود شاهداً عليها وواعظاً في أسبابها.

لكن الحاضر المسلح الذي نعيش وسط أنقاضه لم يهبط من السماء؛ إنه نهاية متطرفة لمسار طويل جعل القوة أقصر الطرق إلى السياسة، ثم جعل السلاح نفسه طريقاً إلى الثروة: من صاحب السيف إلى صاحب الشوكة، ومن صاحب الشوكة إلى صاحب «التاتشر»، ومن صاحب «التاتشر» إلى صاحب «الدرون».

غير أن الإنصاف يقتضي ألا نحشر هذه المأساة كلها في جلباب الإسلاميين. فالشمولية لا تصبح أقل خراباً لأنها رفعت راية حمراء بدلاً من راية خضراء، والدبابة لا تصبح أكثر ديمقراطية لأن الضابط الجالس فوقها علماني لا إسلامي. فمن أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، ومن الجمهوريات العسكرية القومية إلى الأنظمة العقائدية والدينية، كان الثمن، بدرجات وصور مختلفة، واحداً: تضييق السياسة، وخنق الحرية، وإضعاف المؤسسات، وإطلاق يد السلطة حتى يصبح الوطن نفسه رهينةً لمن يملك السلاح.

وقد تبني الديكتاتورية سداً أو مصنعاً أو جيشاً، وقد تحقق نمواً في حقبة من حقبها؛ لكنها لا تستطيع أن تجعل من إلغاء حرية الإنسان طريقاً مستداماً لبناء دولة حرة. فالدولة التي لا تستطيع تصحيح أخطائها من داخل مؤسساتها تظل تحمل بذرة أزمتها معها، مهما علت مبانيها وكثرت أناشيدها.

وهكذا لم تورثنا الشموليات العسكرية، بيسارها ويمينها، إسلامية كانت أم علمانية، إلا ذلك الإرث الثقيل من القمع والخراب والوبال والحريق والتمزق. تختلف الرايات والأناشيد والعقائد المكتوبة على الدبابة… لكن الدبابة تظل دبابة.

ثم نقف فوق الركام ونسأل بدهشة: كيف وصلنا إلى هذا الحضيض؟

ربما لأن المجاعة لا تنهش البطون وحدها؛ فهناك مجاعة تنسكب في العقول أيضاً. وليس العسكري وحده مسؤولاً عنها؛ فقد عرف السودان مدنيين ذهبوا إلى الثكنة حين ضاقت بهم السياسة، وأحزاباً استدعت الجيش حين عجزت عن الانتصار في الفضاء السياسي المدني الرحيب.

لم يخترع الإسلاميون غواية الانقلاب، لكنهم منحوا البندقية واحداً من أكثر أغطيتها الأيديولوجية والتنظيمية اكتمالاً، ثم اكتشفوا الحقيقة القديمة التي تتكرر كلما استعانت الفكرة بالسلاح:

أن البندقية التي تدخل السياسة خادمةً للفكرة لا تبقى خادمةً لها طويلاً.

وربما كان الفارق كله أن ديغول عرف متى يعيد السيف إلى غمده، بينما ظل سيفنا يخرج من كتاب التاريخ مرة بعد مرة …حتى تسلّط على رقابنا!

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.