بل بس… ثم تسألون: لماذا غلا البصل؟

 حسن عبد الرضي

 

من أعجب ما أنتجته الحرب في السودان أنها لم تكتفِ بقتل الناس وتشريدهم وتخريب البلاد، بل أنتجت أيضاً دهشةً سياسيةً واقتصاديةً لا مثيل لها!

فالذين ظلوا يهتفون بالأمس: «بل بس!» استيقظوا اليوم ليكتشفوا أن الدولار قد ارتفع، وأن الأسعار قد اشتعلت، وأن الأمن قد تراجع، وأن الأسواق قد اضطربت!

يا للعجب!

كأنهم كانوا يظنون أن الحرب إذا استمرت ستأخذ أرواح الناس فقط، ثم تعيد للاقتصاد حقه كاملاً عند نهاية المعركة!

كأن الرصاص يعرف طريقه إلى صدر الإنسان، لكنه لا يعرف طريقه إلى المصنع والمزرعة والسوق والطريق!

وكأن القذيفة إذا هدمت بيتاً، قالت للاقتصاد السوداني: «معليش، أنا ما قاصداك!»

وكأن الحرب لها دفتر حسابات منفصل: هذا للقتال، وهذا للإنتاج، وهذا للدولار، وهذا للبصل!

ثم ها هم اليوم يتساءلون في دهشة: لماذا ارتفع الدولار؟

يا أخي، لأن الحرب ليست نشرة أخبار تُشاهدها ثم تطفئ التلفزيون!

الحرب اقتصادٌ يُستنزف، وإنتاجٌ يتعطل، وأسواقٌ تضطرب، وطرقٌ تُغلق، ومزارعون يتشردون، ومصانع تتوقف، وتجارة تتقلص، وثقة تتآكل.

ثم يأتي أحدهم بعد كل ذلك ليقول: «الدولار مالو؟»

الدولار ماله؟!

الدولار عنده ذاكرة!

لقد رأى ما فعلته الحرب، ولم ينتظر حتى تستيقظ أنت من غفلتك!

والأطرف أن الذين ساهموا في صناعة خطاب الحرب، أو ظلوا يبررون استمرارها، يريدون الآن أن يحاكموا نتائجها وكأنها حدث طبيعي هبط من السماء.

فإذا ارتفع الدولار قالوا: وزير المالية!

وإذا غلت السلع قالوا: التاجر!

وإذا انعدم الأمن قالوا: المسؤول الفلاني!

وإذا ضاقت معيشة الناس قالوا: أقيلوا هذا وذاك!

أما الحرب نفسها؟

فتقف في آخر الصف، بريئةً، ترفع يديها وتقول: «أنا مالي؟!»

يا سبحان الله!

لقد صار بعض الناس يتعاملون مع الحرب كما يتعامل الطفل مع كسر زجاج النافذة: يكسرها بالحجر، ثم يقف أمامها متعجباً: «منو العمل كدا؟!»

ولهذا لا أفهم أولئك الذين ينتظرون الحل من عند البرهان، ثم يطالبونه بكل ثقة بإقالة كامل إدريس ووزير ماليته جبريل إبراهيم، وكأن المشكلة أن هؤلاء الوزراء دخلوا الوزارة ومعهم سحرٌ أسود لرفع الدولار.

طيب، إذا أُقيل كامل وجبريل غداً، هل ستتوقف الحرب؟

هل سيعود الإنتاج إلى ما كان عليه؟

هل تعود الطرق آمنة؟

هل يعود المزارع الذي هرب من أرضه؟

هل تعود المصانع التي توقفت؟

هل تختفي آثار الحرب من الأسواق؟

هل يعود الدولار إلى سعر ما قبل الحرب لأنه سمع خبر الإقالة؟

إن تحويل المأساة إلى لعبة «شيل الوزير وجيب وزير» قد يكون مريحاً للنفس، لكنه لا يشرح كيف وصل السودان إلى هذه الحال.

فالوزير قد يخطئ، والحكومة قد تخطئ، والسياسات قد تفشل، وكل ذلك قابل للنقاش والنقد.

لكن اختزال الخراب كله في وزير، مع تجاهل الحرب التي أنتجت بيئة الانهيار، هو أن نلوم ميزان الحرارة لأن المريض مصاب بالحمى!

ثم يأتيك صاحب السؤال العظيم: «وما علاقة البصل بالدولار؟»

يا سلام!

هذا سؤال لو سمعه البصل نفسه لضحك!

وما علاقة البصل بالدولار؟

اسأل المزارع.

واسأل عن الوقود.

واسأل عن السماد.

واسأل عن المبيدات.

واسأل عن الآليات.

واسأل عن قطع الغيار.

واسأل عن النقل.

واسأل عن الطريق.

واسأل عن الأمن.

واسأل عن تكلفة التخزين.

ثم اسأل السوق.

ستجد أن البصلة الصغيرة التي تراها فوق الرف تحمل على ظهرها قصة بلد كامل!

لكن صاحبنا يريد أن يرى البصلة وحدها.

لا يريد أن يرى الحرب التي ضربت السلسلة التي أوصلتها إلى يده.

وهكذا تصبح البصلة متهمة، والتاجر متهم، والمزارع متهم، ووزير المالية متهم…

أما الحرب فتجلس في الصف الأول، تتفرج على الجميع وهم يتشاجرون حول ظلها!

ثم تأتي العبارة التي لا تقل عبقرية: «الأسعار بتزيد ونحن نايمين!»

ويرد آخر: «ما ننوم يعني؟!»

لا يا أخي، نومكم ليس المشكلة.

المشكلة أنكم كنتم نائمين عن رؤية نتائج الحرب وأنتم مستيقظون!

الدولار لا ينتظر حتى تنام.

والاقتصاد لا يضع الهاتف على الوضع الصامت عندما تغمض عينيك.

والحرب لا تقول: «خلونا نوقف المعارك شوية، الجماعة نايمين!»

إنها تعمل طوال اليوم.

تقتل الإنتاج في الصباح.

تعطل التجارة في الظهر.

ترفع المخاطر في المساء.

ثم يأتي الدولار ليحسب الفاتورة.

وتستيقظ أنت في الصباح فتقول: «الأسعار زادت ونحن نايمين!»

نعم.

لقد زادت وأنتم نائمون عن التفكير في اليوم الذي بدأتم فيه الحرب.

وهنا تكمن المفارقة السودانية الكبرى:

نحن نرى الدخان ولا نريد أن نسأل عن النار.

نرى الدولار ولا نسأل عن الحرب.

نرى البصل ولا نسأل عن الإنتاج.

نرى الغلاء ولا نسأل عن الاقتصاد.

نرى انعدام الأمن ولا نسأل عن استمرار القتال.

نرى الخراب ولا نسأل عن الذين جعلوا الخراب ممكناً.

ثم نبحث عن تاجر صغير لنضع على رأسه كل خطايا الاقتصاد!

هذا هو الطعن في ظل الفيل.

فالفيل موجود.

واضح.

ضخم.

واقف في منتصف الغرفة.

لكننا نفضل أن نتجادل حول الظل!

وليس معنى ذلك أن كل تاجر بريء، أو أن الأسواق لا تعرف المضاربة والاستغلال والاحتكار.

لا.

لكن من يريد أن يفهم الأسعار عليه أن يفهم البيئة التي تعمل فيها الأسعار.

ومن يريد أن يحاسب التجار فليحاسبهم بالقانون.

ومن يريد أن يحاسب الحكومة فليحاسبها على سياساتها.

ومن يريد أن يحاسب المسؤولين فليسأل عن قراراتهم.

لكن لا تجعلوا التاجر كبش فداء لحربٍ لم يصنعها وحده، ولا تجعلوا البصلة متهمةً بالتآمر على الشعب!

فإذا كان البيت يحترق، فلا معنى لأن نتشاجر مع صاحب المكنسة لأنه لم ينظف الصالة جيداً!

إن الذين قالوا بالأمس: «بل بس» مطالبون اليوم، قبل أن يندهشوا من الدولار، أن يتأملوا العلاقة بين الحرب والاقتصاد.

وقبل أن يسألوا لماذا غلا البصل، عليهم أن يسألوا ماذا فعلت الحرب بالمزرعة.

وقبل أن يطالبوا بإقالة وزير، عليهم أن يسألوا ماذا صنعت الحرب بالدولة.

وقبل أن يلعنوا التاجر، عليهم أن يسألوا لماذا أصبحت تكلفة وصول السلعة إلى السوق بهذه الصورة.

وقبل أن يقولوا: «ما ننوم يعني!» عليهم أن يدركوا أن المشكلة ليست في ساعات النوم.

المشكلة في سنواتٍ طويلة من النوم عن الحقيقة.

الحرب لا تُنتج انتصاراً في الميدان وحده، ثم تخرج من الباب تاركةً الاقتصاد كما وجدته.

الحرب تترك وراءها فاتورة.

فاتورة يدفعها الجندي.

ويدفعها المدني.

ويدفعها المزارع.

ويدفعها العامل.

ويدفعها التاجر.

ويدفعها الطفل الذي لا يجد مدرسة.

ويدفعها المواطن الذي يقف أمام رف البقالة ليسأل: «البصل وصل كم؟»

ثم يأتيه الجواب، فينظر إلى السماء: «والدولار مالو؟!»

الدولار ليس هو الذي بدأ الحرب.

والبصل ليس هو الذي أشعلها.

والتاجر ليس وحده الذي صنع نتائجها.

الحرب هي الفيل الذي لا يريد البعض أن يراه.

ومن أراد أن يطارد ارتفاع الدولار دون أن ينظر إلى الحرب، ومن أراد أن يحاكم البصل دون أن ينظر إلى الإنتاج، ومن أراد أن يغيّر الوزراء دون أن يسأل عن أصل الخراب، فإنه لا يعالج الأزمة؛ إنما يغيّر أسماء الواقفين حول الحريق، ويترك النار مشتعلة.

أما الذين ما زالوا يقولون: «بل بس!» ثم يتساءلون اليوم في براءة: «لماذا غلا البصل؟»

فنقول لهم:

لأن البصل لم يكن يملك بندقيةً ليحمي نفسه من الحرب!

ولأن الاقتصاد، في نهاية الأمر، لا يقرأ الشعارات.

والجوع لا يهتف.

والدولار لا ينام.

والحقيقة لا تحتاج إلى إذنٍ من أحد حتى تظهر.

فإذا كنتم قد نمتم عن التفكير…

فلا تلوموا السوق لأنه لم ينم معكم.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.