إلى شباب السودان … السلام بداية صناعة المستقبل

عروة الصادق

في اليوم الدولي للسلام، تتجه الكلمات عادة إلى وقف البنادق، والمصالحات، والمواثيق، والتمنيات، وفي السودان اكتسبت كلمة السلام معنى أعمق من مناسبة دولية وأثقل من شعار مؤقت، لأنها تمس سؤالًا وجوديًا يواجه جيلًا كاملًا، أي وطن سنورثه لمن يأتي بعدنا؟ وأي دولة نستطيع أن نبنيها فوق هذا الركام؟.
إلى شابات وشباب بلادي، في حواري المدن والقرى والفرقان، ومعسكرات النزوح، وبلدان اللجوء والمهجر، والجامعات التي أغلقتها الحرب، والبيوت التي فرقتها المنافي، أنتم اليوم أمام لحظة تاريخية قاسية، وفي داخل هذه القسوة نفسها توجد لحظة تأسيس، لأن الأجيال التي تعيش الانهيارات الكبرى تملك، في الوقت ذاته، فرصة نادرة لإعادة التفكير في القواعد التي أنتجت تلك الانهيارات وفي الدولة التي ينبغي أن تقوم بعدها.
– أولًا: الإنسان هو المورد الأكبر الذي بقي للسودان فقد دفعت أجيال الشباب الكلفة الأعلى من الحروب، والانقلابات، والانهيارات الاقتصادية، وفشل مؤسسات الدولة، تعطلت الدراسة، وتقلصت فرص العمل، وتمزقت الأسر، وتبددت المدخرات، وضاقت مساحة الحلم، بعضكم حمل حقيبته وغادر وطنه على عجل، وبعضكم بقي يحرس أهله ومجتمعه وسط الخوف والجوع، وبعضكم واصل العمل في غرف الطوارئ، والمبادرات الإنسانية، والتعليمية، والطبية، والإعلامية، محافظًا على ما تبقى من قدرة المجتمع على الصمود.
– ومن هنا تبدأ الحقيقة التي ينبغي أن تبقى أمامنا، فالسودان، رغم الخراب، ما زال يمتلك أعظم موارده في الإنسان، وهذا الإنسان، بمعرفته، وخبرته، وقدرته على التعلم، والتكيف، والتواصل، والإنتاج، هو رأس المال الأول لأي مشروع لإعادة بناء الدولة.
– ثانيًا: السلام أوسع من إسكات البنادق؛ فالسلام الذي يحتاجه السودان يتجاوز توقف إطلاق النار، مع الأهمية القصوى لوقف القتال، فوقف الحرب يوقف النزيف، بينما تبدأ صناعة السلام عندما يصبح الإنسان آمنًا في بيته، حرًا في رأيه، قادرًا على التعلم، والعمل، والتنقل، مطمئنًا إلى حماية القانون، وإلى دولة تتعامل معه على أساس المواطنة، بعيدًا عن الجهة، أو القبيلة، أو الدين، أو النوع، أو الانتماء السياسي.
– والسلام الحقيقي يعني أن تصبح السياسة وسيلة لإدارة الاختلاف، وأن تصبح المؤسسة العسكرية جزءًا من دولة مستقرة تحكمها القواعد والمؤسسات، وأن تصبح الثروة الوطنية موردًا للتنمية، وأن تتحول الزراعة، والمياه، والمعادن، والموقع الجغرافي، والطاقة البشرية من ساحات للتنافس والصراع إلى أدوات لبناء الازدهار، وأن يعرف كل سوداني أن كرامته محمية بالقانون، وأن العدالة معيار ثابت يتجاوز تغير موازين القوة.
– ثالثًا: المعركة الأخطر تجري داخل الوعي لأن أخطر ما تخلفه الحروب قد يستقر بعيدًا عن المباني المهدمة والطرق المقطوعة، داخل العقول والذاكرة العامة، عبر تطبيع الكراهية، وتصنيف الناس على أساس الجهة والقبيلة، وتحويل الاختلاف السياسي إلى عداء شخصي، والاعتياد على خطاب الإقصاء، وترسيخ الاعتقاد بأن السلاح هو الطريق الأسرع للحصول على الحقوق. وهذه هي الحرب التي ينبغي منع انتقالها إلى المستقبل، فالدولة التي يعاد بناؤها بالإقصاء ستعيد إنتاج أسباب الصراع، والدولة التي تقوم على الثأر ستؤسس لثأر جديد، والدولة التي تحتكر فيها جماعة واحدة تعريف الوطنية ستبقى ناقصة مهما ارتفعت شعاراتها.
– السودان القادم يحتاج إلى جيل يمتلك شجاعة مختلفة، شجاعة الاستماع، والاعتراف بالأخطاء، والسؤال، ومراجعة الموروثات التي أثبتت التجربة عجزها، وتصور وطن أوسع من انتماءاتنا الصغيرة جميعًا.
– رابعًا: السؤال المركزي يتغير من «من يحكم؟» إلى «كيف تُحكم الدولة؟» أنتم الجيل الذي يستطيع نقل السودان من الصراع حول الأشخاص والمواقع إلى بناء المؤسسات، ومن اقتصاد الامتياز والاحتكار إلى اقتصاد الإنتاج والفرص، ومن دولة المركز والأطراف إلى دولة المواطنة المتساوية، ومن السياسة المبنية على الأشخاص إلى السياسة المبنية على البرامج، والقواعد، والمساءلة.
– وأنتم كذلك الجيل القادر على نقل السودان من انتظار الحلول القادمة من الخارج إلى امتلاك معرفة أعمق بذاته، وبموارده، وبمجتمعه، وبمصالحه، وبناء قدرته على التفاوض مع العالم من موقع المصلحة والسيادة. وهذه مهمة تتجاوز السياسة بمعناها الضيق، إنها مشروع جيل كامل.
– خامسًا: بناء السلام يبدأ من العمل اليومي لأن الشاب الذي يدرس التكنولوجيا ويبني منصة رقمية يشارك في بناء السلام، والراعي الذي يرعى والمزارع الذي يعيد الحياة إلى الأرض يشارك في بناء السلام، والطبيب الذي يعالج الناس دون تمييز، والمعلم الذي يعيد طفلًا إلى مقعد الدراسة، والصحفي الذي يتحقق قبل أن ينشر، والمتطوع الذي يطعم نازحًا، والباحث الذي ينتج معرفة رصينة، والفنان الذي يقاوم خطاب الكراهية، جميعهم يعملون داخل البنية العميقة للسلام.
– فالسلام استثمار في الإنسان قبل الاتفاقات السياسية، والسودان يحتاج خلال السنوات القادمة إلى أكبر عملية استثمار في شبابه في تاريخه الحديث، في التعليم، والتقنية، والذكاء الاصطناعي، والزراعة الحديثة، وريادة الأعمال، والإدارة العامة، والبحث العلمي، والفنون، والدبلوماسية، والتخطيط الحضري، والطاقة، والصحة، والحوكمة.
– سادسًا: المطلوب بناء السودان الذي كان ينبغي أن يكون، لأننا نحن أمام عالم يتغير بسرعات هائلة، والدول التي تتأخر عن بناء المعرفة اليوم تدفع ثمن ذلك غدًا في اقتصادها، وسيادتها، وأمنها، ومن هنا فإن مهمة الشباب السوداني تتجاوز استعادة السودان الذي كان قائمًا قبل الحرب، لأن ذلك السودان نفسه حمل أزمات عميقة انتهت بنا إلى هذا الواقع.
– المهمة الأكبر هي بناء السودان الذي كان ينبغي أن يكون، دولة تتعلم من تاريخها من دون أن تصبح أسيرة له، وتحتفي بتنوعها من دون تحويله إلى حدود داخلية، وتدرك أن الجيش القوي يحتاج إلى دولة قوية، وأن الاقتصاد القوي يحتاج إلى مؤسسات موثوقة، وأن العدالة شرط للاستقرار، وأن التعليم، والأمن الغذائي، والصحة، أعمدة للسيادة الوطنية بقدر ما هي مجالات للخدمة العامة.
– سابعًا: حرروا خياراتكم من معسكر الحرب، وفي هذه المناسبة ينبغي أن نقول للشباب السوداني بوضوح، احموا قدرتكم على التفكير من الاختزال داخل معسكر التطرف، واحموا عقولكم من الكراهية، واحموا إرادتكم من اليأس الذي يصور أزمات السودان قدرًا يعيد إنتاج نفسه إلى الأبد.
– التاريخ يتحرك بفعل البشر، والأوطان تتغير عندما يتغير وعي أبنائها بمعنى الدولة، والمسؤولية، والقوة، والحرية.
– ويمتلك جيلنا قدرات لم تتوافر للأجيال السابقة بهذه الكثافة، الوصول إلى المعرفة العالمية، والقدرة على التنظيم عبر الحدود، والأدوات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وشبكات السودانيين في عشرات الدول، وتجربة مباشرة وقاسية مع نتائج فشل الدولة.
– ويمكن تحويل هذه التجربة من جرح إلى معرفة، ومن الشتات إلى شبكة قوة، ومن الغضب إلى مشروع، ومن الخسارة إلى تصميم أكثر صلابة للمستقبل.
– ثامنًا: فكروا في السودان بعد عشرين عامًا فقط فكروا في السودان بعد عشرين عامًا، إلى جانب التفكير في معارك الأسابيع القادمة، واسألوا كيف نريد مدارسنا؟ وكيف نريد جيشنا لا جيشهم؟ وكيف تُدار مواردنا؟ وكيف نحكم مدننا وأقاليمنا؟ وكيف تصبح الزراعة، والصناعة، والتكنولوجيا مصادر للقوة؟ وكيف نعيد ملايين النازحين واللاجئين بكرامة؟ وكيف نصنع دولة تحمي مواطنيها وتثق بهم؟ وكيف نجنب أبناءنا الوقوف بعد جيل أمام الحرب نفسها والأسئلة نفسها؟.
– هذه الأسئلة هي بداية السلام الحقيقي، لأنها تنقل التفكير من إدارة الأزمة إلى تصميم الدولة، ومن الاستجابة للخراب إلى بناء المستقبل.

– تاسعًا: السودان يحتاج إلى عقد جديد بين مواطنيه، ونحن نحتاج إلى جيل يكتب عقدًا جديدًا بين السودانيين، عقدًا يجعل الوطن أكبر من الجماعة، والمؤسسة أكبر من الفرد، والقانون أعلى من القوة، والمعرفة أقوى من الدعاية، والمصلحة الوطنية أوسع من الاصطفافات الضيقة.
– وسيأتي بإذن الله يوم تصمت فيه البنادق، والسؤال الذي سيبقى بعد ذلك هو ماذا سنفعل بالصمت الذي يأتي بعدها؟ هل نملؤه بخطاب انتقام جديد، أم بالمدارس، والمصانع، والمزارع، والمختبرات، والجامعات، والقوانين، والمؤسسات؟، وهناك تحديدًا ستُحسم المعركة الأعمق على مستقبل السودان.

– عاشرًا: ابدأوا بناء السلام من الآن؛ ورسالتي إلى شباب السودان في اليوم الدولي للسلام بسيطة في عبارتها وعميقة في معناها، ابدأوا ببناء السودان الذي يجعل السلام ممكنًا وقادرًا على البقاء.
– ابنوا المعرفة، واحموا الحقيقة، وقاوموا خطاب الكراهية، وارفضوا تحويل الاختلاف إلى عداوة، واستثمروا في أنفسكم وفي مجتمعاتكم، ووسعوا دوائر الحوار، واصنعوا شبكات التعاون عبر المدن، والأقاليم، والشتات، وتذكروا دائمًا أن الأجيال التي تصنع المستقبل تُقاس بما قاومته وبما استطاعت أن تبنيه بعد المقاومة.
– إن وطننا الذي نحلم به قد يبدو اليوم بعيدًا، وكل دولة عظيمة بدأت في لحظة ما فكرة في عقول جيل قرر أن الواقع القائم قابل للتغيير، وأن المستقبل يمكن صناعته بالإرادة، والمعرفة، والمؤسسات، والعمل المتراكم.
– السلام يبدأ عندما يقرر السودانيون أن مستقبلهم أثمن من استمرار صراعاتهم، وعندما يقرر الشباب أن يكونوا معماريي الدولة القادمة، بعيدًا عن وراثة خراب الدولة القديمة.

 

ختاما: كل عام وشباب السودان أكثر وعيًا، وأكثر قدرة، وأكثر اتصالًا ببعضهم، وأكثر إيمانًا بأن هذا الوطن يستحق مستقبلًا أفضل.
وسلام على السودان الذي سيولد من شجاعة أبنائه في بناء السلام … والسلام عليكم أجمعين .. والسلام على شهداء السلام في الخالدين.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.