يصل رئيس الوزراء السوداني السابق، د. عبد الله حمدوك، إلى نيويورك على رأس وفد مدني يضم قوى وشخصيات سياسية ومدنية، في إطار تحركات تقودها تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية «صمود» وقوى إعلان المبادئ.
وتأتي الزيارة في لحظة شديدة التعقيد بالنسبة للسودان، مع انعقاد الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، واجتماعات دولية مخصصة لبحث الأزمة السودانية بمشاركة أطراف إقليمية ودولية، بينها الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية «إيغاد».
لكن بعيداً عن أهمية الحضور الدبلوماسي، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا يمكن أن يخرج به حمدوك ووفده في إعلان المبادئ من نيويورك؟
فالرسالة التي يسعى الوفد المدني إلى طرحها أمام المجتمع الدولي تقوم على أن الحرب في السودان لا يمكن أن تنتهي بالحل العسكري وحده، وأن الطريق إلى الاستقرار يمر عبر وقف القتال، وحماية المدنيين، وفتح مسار سياسي يقود إلى دولة مدنية.
إلا أن هذه الرسالة تصطدم بسؤال آخر أكثر ارتباطاً بالواقع السوداني: هل يستطيع الحضور الدولي أن يتحول إلى نتائج ملموسة داخل السودان؟
حمدوك والحضور الدولي
يمتلك حمدوك رصيداً من العلاقات الدولية وخبرة في التعامل مع المؤسسات والمنظمات الدولية، فضلاً عن حضور سياسي خارج السودان يمنحه قدرة على الوصول إلى دوائر مؤثرة في صناعة القرار.
لكن الحضور الخارجي لا يعني بالضرورة امتلاك أدوات التأثير داخل البلاد.
فالمشهد السوداني أكثر تعقيداً؛ سلطة بورتسودان تتعامل مع حمدوك باعتباره جزءاً من معسكر سياسي مناهض لها، فيما ينظر إليه بعض السودانيين بوصفه شخصية مدنية قادرة على مخاطبة المجتمع الدولي، بينما يرى آخرون أن المسافة بينه وبين واقع الحرب ومعاناة المواطنين باتت واسعة.
وهنا يصبح السؤال أكثر وضوحاً:
هل يستطيع القبول الدولي أن يتحول إلى قبول سوداني؟
فالاختبار الحقيقي لأي مشروع سياسي لا يحدث داخل قاعات المؤتمرات الدولية وحدها، وإنما في المدن التي دمرتها الحرب، ومع النازحين الذين فقدوا منازلهم، ومع الأسر التي تبحث عن الأمان ومصدر للعيش.
من نيويورك إلى أرض المعركة
قد ينجح الوفد المدني في إيصال رسالته إلى العواصم والمؤسسات الدولية، وقد يحصل على مساحة سياسية ودبلوماسية واسعة، لكن ذلك يظل خطوة أولى فقط.
فالأسئلة الأصعب تتعلق بما بعد الاجتماعات:
هل يمكن للضغط الدولي أن يساهم في فرض هدنة إنسانية؟
هل تستطيع الأطراف الدولية دفع طرفي الحرب نحو وقف إطلاق النار؟
وهل يمتلك الفاعلون المدنيون أدوات حقيقية للتأثير على القوى التي تملك السلاح وتتحكم في مسار المعارك؟
هذه الأسئلة تضع زيارة حمدوك أمام اختبار يتجاوز الحضور الإعلامي والدبلوماسي.
من يمثل الوفد المدني؟
هناك سؤال آخر لا يقل أهمية يتعلق بمدى قدرة الوفد الذي يضم «صمود» وحركة عبد الواحد محمد نور والمؤتمر الشعبي وحزب الأمة، إلى جانب قوى وشخصيات أخرى، على التعبير عن مختلف قطاعات المجتمع السوداني.
فالساحة المدنية السودانية شديدة التعدد، والداخل السوداني نفسه يشهد مواقف متباينة تجاه القوى السياسية والمدنية الموجودة في الخارج.
ومن ثم، فإن نجاح أي تحرك سياسي لن يقاس فقط بحجم اللقاءات التي يعقدها الوفد في نيويورك، وإنما بقدرته على بناء جسور مع السودانيين داخل البلاد وخارجها، وإقناعهم بأن المشروع المطروح يمكن أن يقود إلى تغيير ملموس في حياتهم.
المواطن ينتظر نتيجة لا بياناً
المواطن السوداني الذي يعيش الحرب لا تعنيه كثيراً تفاصيل الاجتماعات الدولية بقدر ما تعنيه نتائجها.
هو يريد وقف الرصاص، وفتح الطرق، وحماية المدنيين، وعودة النازحين، واستعادة الخدمات، وإنهاء حالة الخوف التي فرضتها الحرب على ملايين السودانيين.
ولهذا فإن السؤال الأهم الذي سيلاحق زيارة حمدوك لن يكون فقط: ماذا قال في نيويورك؟
بل: ماذا سيعود به إلى السودان؟
إذا عاد الوفد بتفاهمات يمكن البناء عليها، وضغوط دولية أكثر فاعلية، وخطوات واضحة لحماية المدنيين ووقف الحرب، فقد تتحول الزيارة إلى محطة سياسية مهمة.
أما إذا بقيت النتائج في حدود البيانات واللقاءات والمواقف الدبلوماسية، فإن نيويورك ستظل مجرد منصة أخرى أضيفت إلى سلسلة طويلة من المبادرات التي لم تنجح حتى الآن في تغيير واقع الحرب.
وفي الختام، لا يبدو أن مفتاح الأزمة السودانية موجود في نيويورك وحدها، ولا في بورتسودان وحدها، ولا في أي عاصمة أخرى.
المفتاح الحقيقي يكمن في قدرة السودانيين والمجتمع الدولي على تحويل المبادرات السياسية إلى إجراءات فعلية توقف القتال وتحمي المدنيين، وتفتح الطريق أمام عملية سياسية ذات قاعدة أوسع، تضع مستقبل السودان ومصالح مواطنيه قبل حسابات القوى المتصارعة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.