حين تصبح التضحية جواز عبور إلى السلطة

النور آدم سلمان

في زمن الحروب والأزمات، بتظهر عبارات كثيرة بتطالب الناس بالصمت، بحجة إنو فلان ضحّى، أو شارك في المعركة، أو فقد حياته من أجل قضية، أو وقف مع مشروع سياسي، أو ساهم في تحرير الوطن.
لكن السؤال البسيط هو: هل التضحية بتدي صاحبها حصانة من المحاسبة؟
في رأيي: لا.
الشهادة، والموت في سبيل قضية، والمشاركة في المعارك، ودعم مشروع سياسي أو فكري، كلها مواقف وتضحيات ممكن تُحترم ويُعترف بأصحابها، لكن ما مفروض تتحول إلى صك غفران سياسي يُعفي أي زول من المسؤولية عندما يصل إلى السلطة.
الزول ممكن يكون ضحّى بالأمس، لكنه اليوم مسؤول عن قراراته إذا أصبح جزءاً من السلطة.
والحكومة في النهاية ما كائن مقدس.
الحاكم بشر.
والوزير بشر.
والوالي بشر.
والسياسي بشر.
والقرار السياسي بشر بيعملو، وبالتالي ممكن يكون صحيح، وممكن يكون خطأ، وممكن تكون وراءه اجتهادات، وممكن تكون وراءه مصالح، أو سوء إدارة، أو حتى فساد.
عشان كدا، المحاسبة ما خيانة، والنقد ما عداء للوطن، والسؤال ما مؤامرة.
أي زول مسك منصب عام لازم يعرف إنو المنصب دا ما ملك خاص، وما مكافأة أبدية على مواقفه السابقة، وما حصانة من السؤال والنقد.
المواطن عندو حق يسأل:
وين مشت قروش الدولة؟
عملتو شنو في التعليم؟
عملتو شنو في الصحة؟
وين الخدمات؟
ليه الأسعار ارتفعت؟
ليه المواطن ما لاقي شغل؟
ليه في فساد؟
ليه في ظلم؟
وليه القرار اتخذ بالطريقة دي؟
دي ما أسئلة ضد الدولة.
دي أسئلة عشان الدولة.
لأن الدولة ما بتتقاس بعدد الخطب والشعارات، ولا بعدد المعارك البتخاض باسمها، وإنما بتتقاس بقدرتها على توفير حياة كريمة للناس.
المواطن ما محتاج مسؤول يقول ليهو إنو ضحّى عشان البلد، بقدر ما محتاج يشوف أثر التضحية دي في حياته اليومية.
عايز أمان يمشي بيهو في الشارع بدون خوف.
عايز شغل يحفظ كرامتو.
عايز مستشفى يلقى فيها العلاج.
عايز مدرسة محترمة لأولادو.
عايز عدالة ما بتفرّق بين مواطن ومواطن.
عايز حرية يتكلم فيها بدون خوف.
وعايز خدمات أساسية تحترم إنسانيته.
دي مسؤولية الدولة.
والأهم من دا كله: ما مفروض نخلط بين احترام الأشخاص وتقديسهم.
ممكن تحترم شهيداً بدون ما توافق على كل أفكار الجماعة البينتمي ليها.
ممكن تقدر زولاً قاتل من أجل قضية، لكن تختلف مع مشروعه السياسي.
ممكن تعترف بتضحيات شخص، وفي نفس الوقت تطالب بمحاسبته إذا أصبح مسؤولاً وارتكب أخطاء أو تجاوزات.
دي ما ازدواجية.
دي ببساطة فصل بين التقدير والمساءلة.
المشكلة بتبدأ لما تتحول التضحيات القديمة إلى شيك مفتوح للسلطة، ويصبح السؤال عن أداء المسؤول إساءة لمن ضحّى، ويصبح نقد القرار السياسي طعناً في الوطن، ويصبح الحديث عن الفساد خيانة، ويصبح المواطن مطالباً بالصمت لأن المسؤول «قدّم الكثير».
الوطن أكبر من أي شخص، وأكبر من أي حزب، وأكبر من أي جماعة أو أيديولوجيا.
والدولة ما مفروض تكون مكاناً لتوزيع المكافآت على المنتصرين أو أصحاب المواقف السياسية؛ الدولة مسؤولية عامة، والمناصب العامة تكليف وليست غنيمة.
وفي النهاية، الناس ما مفروض تختار بين احترام التضحيات وبين المطالبة بالمحاسبة.
ممكن نعمل الاثنين مع بعض:
نحترم من ضحّى، ونحاسب من حكم.
نكرّم الشهداء، ولا نقدّس المسؤولين.
نحفظ تاريخ الناس، لكن ما نسمح للتاريخ يكون حصانة من القانون.
لأن البلد ما بتقوم بالأبطال وحدهم، وما بتقوم بالحكام وحدهم.
البلد بتقوم بدولة عادلة، ومؤسسات قوية، وقانون فوق الجميع، ومواطن عندو حق يسأل ويحاسب.
فالمنصب العام ما صك غفران، والتضحية ما حصانة، والوطن ما ملك للأشخاص.
السلطة تُسأل، والقرار يُناقش، والمسؤول يُحاسب.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.