صمود من نيويورك.. يكسر احتكار الرواية ويضع تحالف بورتسودان أمام إختبار دولي

فاطمة علي سعيد

زيارة وفد التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود» إلى نيويورك لم تات في توقيت عابر. فمع انطلاق أعمال المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، تتجه أنظار العالم إلى واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً وإلحاحاً، بينما يواصل السودان دفع الثمن الإنساني والسياسي الباهظ للحرب المستمرة منذ أبريل 2023. وبدات المناقشة العامة في نيويورك من 22 والتي تستمر حتى 28 سبتمبر 2026، في وقت تتصدر فيه قضايا السلام والأمن أولوية الأجندة الدولية.
في هذا المشهد، تحرك وفد «صمود» برئاسة رئيس الوزراء الشرعي عبد الله حمدوك حاملاً رؤية القوى المدنية المناهضة للحرب، ودافعاً باتجاه وقف القتال وحماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات، إلى جانب الدفع نحو عملية سياسية تقود إلى انتقال مدني ديمقراطي.
ولم يكن الحضور مجرد مشاركة بروتوكولية فقد أجرى الوفد لقاءات مع مسؤولين دوليين، من بينها نائبة الأمين العام للأمم المتحدة أمينة محمد، إلى جانب لقاءات أخرى تناولت سبل إنهاء الحرب وتخفيف الكارثة الإنسانية والدفع نحو مسار سياسي. في وقت يبحث فيه المجتمع الدولي عن مخرج لأزمة تجاوزت حدودها العسكرية وأصبحت تهدد الدولة والمجتمع ومستقبل البلاد.
السؤال الذي تفرضه هذه المشاركة لا يتعلق فقط بما سيقوله الوفد للعالم، وإنما بمن يستطيع تقديم تصور مختلف لمستقبل السودان.
فمنذ اندلاع الحرب، جرى اختزال الأزمة في معادلة عسكرية يتصدرها طرفا القتال، بينما بقي المواطن السوداني في قلب الكارثة: نازحاً ولاجئاً، فاقداً منزله ومصدر دخله، أو عاجزاً عن الوصول إلى الغذاء والدواء والخدمات الأساسية.
من هنا تكتسب المشاركة المدنية أهميتها؛ فهي تضع المواطن ومصالحه في قلب النقاش الدولي، وتطرح وقف الحرب والحل السياسي والانتقال المدني باعتبارها قضايا أساسية في مستقبل السودان.
وفي المقابل، برز غياب تمثيل مماثل لتحالف بورتسودان عن هذا الحراك المدني في نيويورك، بما يفتح الباب أمام منافسة واضحة على الرواية التي ستصل إلى المجتمع الدولي بشأن طبيعة الأزمة ومستقبل البلاد.
نيويورك.. ساحة أخرى للحرب السياسية
لم تعد الحرب السودانية تدور في الميدان وحده. فإلى جانب المعارك العسكرية، تدور معركة سياسية ودبلوماسية حول تعريف الأزمة، ومن يملك حق تمثيل السودان، وما هو الطريق الذي ينبغي أن تسلكه البلاد للخروج من الحرب.
وهنا تبرز أهمية وجود «صمود» في نيويورك؛ فالحضور المدني يطرح رواية لا تختزل السودان في ميزان القوة العسكرية، ولا تجعل مستقبل الدولة رهناً بنتيجة المعارك.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: من يملك السلاح؟ بل: من يملك مشروعاً لإنهاء الحرب وبناء السلام؟
وهذه النقلة في طبيعة السؤال هي جوهر المعركة السياسية؛ لأن امتلاك القوة العسكرية لا يعني بالضرورة امتلاك مشروع لبناء الدولة بعد توقف القتال.
الرسالة الأولى: أوقفوا الحرب
في مقدمة أجندة القوى المدنية تأتي القضية الإنسانية.
فالمطالب المطروحة أمام المجتمع الدولي تتمثل في هدنة إنسانية شاملة، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات، والحد من تدفق السلاح، ومساءلة مرتكبي الانتهاكات، إلى جانب إطلاق عملية سياسية سودانية شاملة تقود إلى السلام والانتقال المدني الديمقراطي.
لكن السؤال الأهم يبقى: هل تتحول هذه المطالب من بيانات وتصريحات إلى ضغط دولي فعلي؟
فالسوداني الذي فقد منزله لا يحتاج إلى بيان جديد بقدر حاجته إلى الأمان. والنازح لا ينتظر مؤتمراً آخر، وإنما يريد أن تصله المساعدات. والمريض الذي يبحث عن الدواء لا تعنيه كثرة الاجتماعات بقدر ما تعنيه عودة الخدمات وفتح الطرق أمام الإغاثة.
السودان أكبر من المعادلة العسكرية
حتى إذا توقفت المعارك، فلن تنتهي الأزمة تلقائياً.
ستبقى أسئلة إعادة بناء الدولة، وإصلاح مؤسساتها، ومعالجة الانتهاكات، وعودة النازحين واللاجئين، وترتيب المرحلة الانتقالية، وبناء نظام سياسي جديد، وهي قضايا لا يمكن حسمها بالبندقية.
لذلك فإن ربط المسار الإنساني بالمسار السياسي والأمني ليس ترفاً، وإنما ضرورة. فالسلام المستدام يحتاج إلى معالجة جذور الأزمة، وليس مجرد إيقاف مؤقت لإطلاق النار.
وهنا يبرز المشروع المدني باعتباره محاولة لفتح طريق آخر: طريق يضع وقف الحرب في مقدمة الأولويات، ثم ينتقل إلى عملية سياسية شاملة تعيد بناء الدولة على أسس مدنية وديمقراطية.
كسر احتكار الرواية
وجود «صمود» في نيويورك يبعث برسالة واضحة إلى المجتمع الدولي: السودان ليس حكراً على القوى العسكرية، ولا يمكن اختزال شعب كامل في طرفي الحرب.
فالمجتمع السوداني أوسع من البنادق والتحالفات العسكرية، والقوى المدنية، رغم ما يحيط بها من خلافات وتحديات، تظل طرفاً سياسياً يطرح رؤية مختلفة بشأن مستقبل البلاد.
ومن هذه الزاوية، فإن أهمية مشاركة «صمود» لا تكمن فقط في عدد اللقاءات التي عقدها الوفد، وإنما في فتح مساحة دولية أمام رواية أخرى للسودان؛ رواية تضع السلام والمدنية وحماية الإنسان في مركز القضية.
هل قصمت نيويورك ظهر تحالف بورتسودان؟
مشاركة «صمود» حسمت المعركة السياسية وقصمت ظهر أي تحالف، وكسرت فكرة احتكار رواية السودان في الخارج. فالمعركة لم تعد فقط على الأرض، وإنما على من يستطيع إقناع المجتمع الدولي بأن لديه طريقاً للخروج من الحرب.
وهنا سيكون الاختبار الحقيقي بعد نيويورك: هل تستطيع القوى المدنية تحويل حضورها الدبلوماسي إلى ضغط سياسي وإنساني فعّال؟ وهل تستطيع توسيع قاعدتها وتوحيد خطابها وتجاوز خلافاتها؟ وهل يمكن أن تتحول المطالب التي طرحتها في المحافل الدولية إلى خطوات ملموسة تحمي المدنيين وتدفع نحو وقف الحرب؟
ما بعد نيويورك
نيويورك ليست نهاية الطريق، وإنما بداية اختبار جديد.
فالنجاح الحقيقي لأي تحرك سياسي يقاس بما ينتج عنه من أثر على حياة السودانيين: وقف للقتال، حماية للمدنيين، وصول آمن للمساعدات، الحد من تدفق السلاح، ثم إطلاق مسار سياسي سوداني جاد وشامل.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.