السودانيون.. من لم يمت بالحرب سيموت بالجوع.. إلى متى الصمت؟

نورا عثمان

لم تعد الحرب في السودان تقتل بالرصاص والقصف وحدهما. فخلف خطوط النار، تتقدم أزمة أخرى أكثر صمتاً وأشد فتكاً: الجوع. في بلد أنهكته أكثر من ثلاثة أعوام من القتال، بات الحصول على وجبة غذائية كافية تحدياً يومياً لملايين الأسر، بينما تتراجع القدرة على شراء الغذاء، وتتقلص فرص العمل، وتتعطل الأسواق وطرق الإمداد، وتزداد صعوبة وصول المساعدات إلى المناطق الأكثر احتياجاً.
الأرقام التي أعلنتها المنظمات الدولية لم تعد تحتمل التجاهل. فبحسب أحدث بيانات برنامج الأغذية العالمي، يواجه نحو 19.5 مليون سوداني مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي، أي قرابة اثنين من كل خمسة أشخاص في البلاد، بينما يواجه نحو 200 ألف شخص مستويات كارثية من الجوع في الفترة بين يونيو وسبتمبر 2026، مع استمرار خطر المجاعة في مناطق عدة. والأكثر إيلاماً أن الأطفال هم في قلب هذه الكارثة. فمن المتوقع أن يعاني نحو 825 ألف طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد الوخيم خلال عام 2026، بعدما تلقى قرابة 100 ألف طفل العلاج من سوء التغذية الحاد خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام وحدها.
هذه ليست أرقاماً مجردة. خلف كل رقم طفل ينام جائعاً، وأم تبحث عن الحليب، وأب عاجز عن شراء الدقيق، وأسرة اضطرت إلى بيع ما تبقى من ممتلكاتها لتؤمّن الطعام.
لقد دمرت الحرب ما هو أبعد من المباني. دُمرت الأسواق، وتضررت المرافق الصحية، وتعطلت شبكات المياه، وتراجعت القدرة على الزراعة والإنتاج، وتقطعت طرق التجارة والإمداد. وتقول وكالات الأمم المتحدة إن نحو 40% من المرافق الصحية غير عاملة، بينما يفتقر نحو 17 مليون شخص إلى مياه شرب مأمونة، ويعاني 24 مليوناً من نقص خدمات الصرف الصحي الملائمة.
وعندما تتوقف المستشفى، ويغلق السوق، ويتعذر وصول الغذاء، يصبح الجوع نتيجة طبيعية لحرب لا يبدو أنها تضع حياة المدنيين في مقدمة حساباتها. السوداني الذي نجا من القصف قد لا يجد ما يأكله. والطفل الذي خرج من منطقة القتال قد يصل إلى مكان آمن نسبياً، لكنه يواجه خطر سوء التغذية. والأسرة التي نجت من النزوح قد تجد نفسها أمام أسعار لا تستطيع دخولها. هكذا تتعدد وجوه الموت في السودان، بينما يبقى المواطن هو الطرف الذي يدفع الثمن.
أخطر ما في المشهد أن أزمة الجوع الحالية ليست نتاج كارثة طبيعية منفردة. إنها أزمة مرتبطة بصورة مباشرة بالحرب والنزوح وانهيار سبل كسب العيش وتدمير البنية التحتية وقيود وصول المساعدات. وقد صنفت منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي السودان ضمن أكثر بؤر الجوع إثارة للقلق عالمياً، مع استمرار خطر المجاعة في مناطق من دارفور وكردفان. كما حذرت التقديرات من استمرار خطر المجاعة في عدد من المناطق حتى يناير 2027 في حال استمرار الظروف الحالية.
السؤال الحقيقي هو: إلى متى يمكن أن يستمر هذا الوضع قبل أن يتحول الجوع إلى كارثة بشرية أوسع؟ قرابة تسعة ملايين شخص نزحوا داخل السودان حتى نهاية مارس 2026، وفق بيانات الأمم المتحدة، بينما يتجاوز عدد النازحين واللاجئين قسراً داخل البلاد وخارجها 11.6 مليوناً وفق البنك الدولي. هؤلاء فقدوا المنازل ومصادر الدخل والأرض والعمل. كثير منهم يعيشون في ظروف بالغة القسوة، يعتمدون على المساعدات أو على ما يمكن أن توفره شبكات التكافل، فيما تظل المساعدات نفسها أقل كثيراً من حجم الاحتياجات.
حتى خطة الاستجابة الإنسانية للسودان لعام 2026 لم تحصل، وفق بيانات الأمم المتحدة المنشورة في مايو، إلا على نحو 20% من التمويل المطلوب حتى أبريل. وفي فبراير، لم يحصل على المساعدة سوى نحو 3.13 ملايين شخص، مقابل هدف كان يبلغ 4.8 ملايين شخص شهرياً. فكيف يمكن لبلد بهذا الحجم من الاحتياجات أن يواجه الكارثة إذا ظلت الموارد الإنسانية بهذا النقص؟
ربما اعتاد العالم أخبار السودان. وهذه هي المأساة الأكبر. كل يوم يمر تتحول أرقام جديدة إلى خبر عابر: ملايين جائعين، ملايين نازحين، أطفال يعانون سوء التغذية، مدن مدمرة، مستشفيات خارج الخدمة، وقرى تنتظر المساعدات. لكن خلف كل ذلك حياة بشرية تتآكل. لا ينبغي أن يحتاج العالم إلى صور طفل يحتضر من الجوع حتى يدرك حجم الكارثة. ولا ينبغي أن تنتظر المنظمات الدولية إعلان مجاعة جديدة حتى تتحرك الموارد. فالتحذيرات موجودة، والأرقام منشورة، والمخاطر معروفة. وقد أكدت وكالات الأمم المتحدة أن استمرار القتال وعرقلة الوصول الإنساني وتدمير الأسواق ووسائل الإنتاج كلها عوامل تمنع وصول المساعدات بالحجم المطلوب.
السودان ليس بلداً عاجزاً بطبيعته عن إطعام شعبه. إنه بلد يمتلك مساحات زراعية واسعة، وموارد مائية، وثروة حيوانية، وموارد طبيعية ضخمة، وقطاعاً زراعياً يمكن أن يلعب دوراً أساسياً في تأمين الغذاء. لكن الحرب تقطع الطريق أمام كل ذلك.
ولهذا فإن معالجة الجوع لا يمكن أن تكون عبر شاحنات المساعدات وحدها، رغم أهميتها العاجلة، وإنما تحتاج أيضاً إلى حماية المزارعين والأسواق وطرق الإمداد، وإعادة تشغيل الإنتاج، وضمان وصول الغذاء إلى المدنيين بعيداً عن أطراف الصراع. والأهم قبل كل ذلك: وقف الحرب.
السودانيون لا يحتاجون إلى مزيد من الخطب. يحتاجون إلى الغذاء والدواء والأمان. يحتاج الطفل إلى مدرسة بدلاً من مخيم النزوح، والمزارع إلى أرضه بدلاً من طريق الهروب، والعامل إلى مصنعه بدلاً من طابور المساعدات، والأسرة إلى سوق يستطيع أفرادها شراء احتياجاتهم منه. الجوع لا ينتظر المفاوضات السياسية. والطفل الذي يعاني سوء التغذية لا يستطيع الانتظار حتى تنتهي الحسابات العسكرية. كل يوم إضافي من الحرب يعني مزيداً من الأسر التي تفقد مصادر دخلها، ومزيداً من الأطفال المعرضين لسوء التغذية، ومزيداً من المناطق التي تصبح فيها العودة إلى الحياة الطبيعية أكثر صعوبة.
لذلك فإن السؤال لم يعد: هل يواجه السودان أزمة غذاء؟ الإجابة واضحة. السؤال هو: كم من الأرواح يمكن إنقاذها إذا تحرك العالم الآن، لا غداً؟ السودانيون لا يريدون أن يتحول وطنهم إلى رقم جديد في تقارير المجاعات. يريدون فقط أن يعيشوا. من لم يمت بالحرب لا ينبغي أن يُترك للموت جوعاً. فإلى متى يستمر الصمت؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.