■ يبدو أن عبد الفتاح البرهان، بعدما تعثرت طريقه إلى نيويورك عند بوابة التأشيرة الأمريكية، قرر أن يصل إلى واشنطن من نافذة صحيفة “فورن بوليسي”. ففي الوقت الذي كانت فيه الإدارة الأمريكية تحجب عنه تأشيرة الدخول للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتربط مصادر مطلعة إصدارها بموافقته على مقترح وقف إطلاق نار لمدة ٩٠ يوماً، خرج الرجل بمقال طويل يشرح للعالم كيف ينبغي أن يُصنع السلام في السودان، ويقدم نفسه لا بوصفه قائداً لأحد طرفي الحرب، بل باعتباره ممثل “السلطة القانونية” وصاحب الحق في تعريف الدولة والشرعية والسلام معاً. وهنا يصبح التوقيت جزءاً من مضمون مقال الصحيفة “فورن بوليسي”، إحدى أبرز المجلات المؤثرة في أوساط النخب السياسية وصنّاع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية. واشنطن تضيق عليه مساحة الحركة السياسية، وهو يحاول توسيع مساحة شرعيته عبر واحدة من أهم منصاتها الفكرية. تقول له الإدارة الأمريكية، في جوهر رسائلها الأخيرة؛ إن زمن منحك شيكاً مفتوحاً قد انتهى، وإن مستقبل السودان لا يُختصر فيك ولا في خصمك؛ فيرد البرهان بأنني لست طرفاً مثل غيري، أنا الدولة، وأنا من يحدد كيف تبدأ التسوية وكيف تنتهي. ولذلك لا ينبغي أن نقرأ مقاله باعتباره رؤية نظرية معزولة للسلام، بل بوصفه مرافعة سياسية مكتوبة في لحظة ضغط أمريكي غير مسبوقة عليه.
■ يبني البرهان مقاله كله على محاولة الفصل الكامل بين الدولة والحرب؛ فحسب روايته لا توجد حرب بين طرفين، وإنما دولة ذات سيادة تواجه مليشيا مسلحة، ومن ثم تصبح أي مساواة بين الجيش والدعم السريع مساواة باطلة قانوناً وأخلاقاً. ولا خلاف عندنا على فظائع الدعم السريع ولا على جرائمه في دارفور والفاشر وغيرها؛ فهذه جرائم موثقة ولا تحتاج إلى تلطيف أو تبرير. لكن البرهان يريد أن ينتقل بالقارئ من إدانة تلك الجرائم إلى نتيجة أخرى؛ أن الاعتراف بجرائم الدعم السريع يساوي الاعتراف تلقائياً بشرعية سلطته وبراءة معسكره من مسؤولية ما وصل إليه السودان. وهنا يبدأ الخلل الحقيقي؛ لأن مقاله يكاد يمحو كل ما سبق اندلاع الحرب؛ لا انقلاب ٢٥ أكتوبر، ولا الشراكة الطويلة بين الجيش والدعم السريع، ولا النظام السياسي والعسكري الذي سمح أصلاً بنشوء جيش موازٍ داخل الدولة، ولا مسؤولية قيادة ظلت ممسكة بالسلطة حين تفجرت المواجهة. يبدأ التاريخ عند البرهان من اللحظة التي أصبح فيها حميدتي عدوه؛ أما ما قبل ذلك فيكاد يختفي من الرواية. وهذه ليست قراءة محايدة لتاريخ الأزمة، بل إعادة ترتيب متعمدة للمشهد بحيث يظهر هو الدولة ويظهر خصمه وحده سبب الكارثة.
■ والأكثر إثارة في المقال أن البرهان، وهو يدافع عن شرعية سلطته، يقدم في الوقت نفسه برنامجاً يبدو نقيضاً للطريق الذي أوصله إلى السلطة؛ فهو يتحدث بوضوح عن “جيش وطني واحد تحت الرقابة المدنية”، وعن دستور يكتبه السودانيون، وانتخابات حرة ونزيهة برقابة دولية، ثم انتقال سلس للسلطة. وهذه ليست جملة هامشية في مقال عابر، بل التزام سياسي مكتوب باسمه. فإذا كان البرهان قد وصل بالفعل إلى قناعة بأن الجيش يجب أن يخضع للمدنيين، فالسؤال البديهي؛ لماذا لا يقول بوضوح إن المؤسسة العسكرية ستخرج من السياسة نهائياً؟ وإذا كان مستقبل السودان مدنياً كما يقول، فما موقع البرهان نفسه في ذلك المستقبل؟ هنا يصبح مقاله أكثر وضوحاً عندما نضعه إلى جوار الرسائل الأمريكية الأخيرة؛ واشنطن تقول إن المستقبل لا مكان فيه لزعيمي طرفي الحرب، بينما البرهان لا يعلن أنه سيغادر المشهد، بل يقدم نفسه بوصفه الرجل الذي سيقود الطريق إلى الحكم المدني. وهذه ليست مسألة لغوية صغيرة؛ فهي جوهر المعركة السياسية المقبلة؛ هل المرحلة الانتقالية التي يتحدث عنها طريق لخروج العسكريين من الحكم، أم وسيلة جديدة لإعادة إنتاج سلطتهم تحت اسم مختلف؟
■ ثم تأتي العبارة التي يريد البرهان أن يجعلها روح المقال؛ السلام يجب أن يصنعه السودانيون، للسودانيين، وفي السودان. وهي عبارة صحيحة في أصلها، بل إننا ظللنا نقول مراراً إن القوى المدنية السودانية مطالبة باستعادة زمام المبادرة حتى لا يصبح السودان مجرد ملف تتفاوض عليه العواصم الخارجية. لكن البرهان يستخدم مفهوم “الحل السوداني” استخداماً انتقائياً واضحاً؛ فهو يرفض ما يسميه السلام المفروض من الخارج، ثم يطلب في المقال نفسه من المجتمع الدولي دعم خطته، ومن الولايات المتحدة وشركائها قطع خطوط التمويل والإمداد عن خصمه، ومن الأمم المتحدة مراقبة أي وقف لإطلاق النار، ومن المجتمع الدولي مراقبة الانتخابات. أي أنه لا يرفض التدخل الخارجي من حيث المبدأ؛ بل يرفض التدخل حين يضغط عليه، ويطلبه حين يضغط على خصمه. وهنا تصبح أزمة التأشيرة شديدة الدلالة؛ واشنطن تضغط باتجاه هدنة لـ٩٠ يوماً وتحجب عنه التأشيرة بينما تستمر الخلافات حولها، وهو يرد بأن السلام الذي يُملى من الخارج لا يدوم. المسألة إذن ليست صراعاً مجرداً بين السيادة والتدخل الخارجي؛ بل صراع على من يملك حق وضع شروط التسوية ومن يحدد نقطة بدايتها ونهايتها.
■ ولهذا يصبح مقال “فورن بوليسي” أكثر من مجرد مقال رأي؛ إنه جزء من معركة الشرعية التي بدأت تدخل مرحلة جديدة بين البرهان وواشنطن. الولايات المتحدة تحجب تأشيرته وتربط مصادر ذلك بالخلاف حول الهدنة، والأمم المتحدة اضطرت إلى إثارة المسألة مع السلطات الأمريكية بعد شكوى السودان، بينما يذهب البرهان إلى منصة أمريكية مؤثرة ليقول للعالم؛ أنا السلطة القانونية، وأنا الدولة، وأنا صاحب خطة السلام، وعلى المجتمع الدولي أن يدعمني لا أن يساويني بخصمي. لكن المشكلة أن الزمن السياسي يتحرك في الاتجاه المعاكس؛ واشنطن لم تعد تناقش فقط كيف تتوقف الحرب، بل من يملك حق حكم السودان بعدها. ومن هنا يمكن فهم المقال في صحيفة “فورن بوليسي”، باعتباره محاولة استباقية لإعادة تقديم البرهان قبل أن تُرسم ترتيبات ما بعد الحرب بدونه. ومع ذلك فإن أهم ما كتبه الرجل قد يتحول إلى حجة عليه لا له؛ فإذا كان قد أعلن بنفسه أن السودان يحتاج إلى جيش واحد تحت الرقابة المدنية، فليكن ذلك التزاماً واضحاً لا عبارة تزين مقالاً أمريكياً؛ جيش قومي مهني واحد، لا مليشيات ولا جيوش موازية، ولكنه أيضاً جيش لا يحكم، ولا يختار من يحكم، ولا يحتفظ بحق النقض على إراادة المدنيين. هنا فقط يمكن أن يصبح حديث البرهان عن “سلام يصنعه السودانيون” أكثر من مرافعة رجل يبحث عن الشرعية بينما ما تزال تأشيرته معلقة عند بوابة نيويورك.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.